عندما يصبح تناول الطعام جريمة..

“أبو محمود” ثار خائر القوى مواجهًا الموت في مخيم اليرموك

Homas.jpg

محاصرون في مخيم اليرموك بانتظار دخول المساعدات الأممية (إنترنت)

الباسل تادروس

عندما بدأت حركة الاحتجاجات في سوريا، كانت أعين الأهالي في مخيم اليرموك بدمشق تترصد الأحداث بحذر، ثم استحالت غضبًا في وجه النظام السوري، الذي لم يتوان عن قصف المخيم بكافة الأسلحة، مجبرًا كثيرًا منهم على النزوح، مخلفين وراءهم بيوتهم وبعضًا من ذويهم ممن آثروا البقاء، رافضين الخروج، ليشهدوا حصارًا كان أشد وطأة من الموت نفسه.

كان “أبو محمود”، كجميع أهالي المخيم، يدّخر بعض المونة، كما كان يتلقى بعض النقود من ولديه كل فترة، ولكن عندما طال أمد الحصار، أصبحت الحياة صعبة جدًا بالنسبة لجميع أهالي المخيم، إلا أن “أبو محمود” كان لديه الكثير من التفاؤل والأمل، فقد كان يقول دائمًا “ستتحسن الأمور وسينتصر الحق في النهاية”.

يصف “أبو ماهر”، وهو جار “أبو محمد” المقرب، أنه كان يمشي متثاقلًا خائر القوى، بعد أكثر من 600 يوم من الحصار، ممسكًا بيده اليمنى بعضًا من الحشائش الخضراء، التي كان أهل المخيم يجمعونها، ويضيف “كان أبو محمود يقول عن المخيم أنه وطنه، ولن ينزح مرة أخرى عنه، كما نزح أجداده من فلسطين سابقًا، لذلك بقي وعانى من الحصار كباقي الناس، ولكن دون أن يتذمر، أو تصدر منه شكوى على الإطلاق”.

رغم الحرب.. دروس مجانية لأطفال اليرموك

ينحدر أبو محمود (49 عامًا) من عائلة فلسطينية، استقرت في دمشق، لتقطن مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. كان رجلًا متزوجًا، لديه ولد وبنت، ويعمل أستاذًا للفيزياء في مدرسة ثانوية، ولكن بعد تسع سنوات من زواجه تقريبًا، توفيت زوجته نتيجة أزمة قلبية.

يقول الجار “أخذ أبو محمود على عاتقه مسؤولية تربية الأولاد وتعليمهم، حتى كبروا وتزوجوا، فانتقل ابنه مع زوجته إلى خارج المخيم، بينما مكثت ابنته برفقة زوجها، ورفضت الخروج عند بداية الثورة، ولكن أبو محمود أقنعها بالخروج مع زوجها، وطفلها الرضيع، ليبقى هو وحده يصارع الحصار والجوع”.

عرف الرجل الخمسيني بالإيثار والطيبة ومساعدة الناس ممن حوله، وتدريس أبنائهم، باعتباره مدرسًا سابقًا، دون أي مقابل على الإطلاق، إيمانًا منه بأن الأطفال ليس لهم أي علاقة بالحرب، وبأن التعليم هو حق مشروع بالنسبة لهم، “كنا نستغرب عندما نراه يجمع أولاد الجيران، ليعطيهم بعض الدروس في الرياضيات والفيزياء واللغة العربية”، يقول الجار.

المدارس كانت مغلقة حينها في المخيم، بعدما تحوّلت شوارعه إلى ساحة حرب حقيقية معزولة عن العالم تمامًا، دون كهرباء أو ماء أو طعام أو مساعدات.

“رجل العصفورةطعام الأهالي في ظل الحصار

اشتدت وطأة الحصار وطال أمده، فاشتد معه الجوع الذي أخذ يلتهم أجساد الأهالي داخل المخيم، وبات الناس يبحثون عن أي شيء يمكن أن يسدّ رمقهم، ويدفع عنهم أسباب الموت المتربص بهم.

وآنذاك، كان أبو محمود كباقي الناس، يحاول الصمود في وجه المجاعة التي اجتاحت المخيم، معتادًا كغيره من الأهالي على جمع وتناول الحشائش أو شرائها أحيانًا، كبراعم الفجل والسلق مثلًا، أو رجل العصفورة، كما كان يطلق عليها أهل المخيم، وهي عبارة عن حشائش تنمو في الأرض، لها رائحة كريهة.

يخرج الجسد النحيل منذ الصباح الباكر، بحثًا عن بعض الحشائش التي أصبح يقتات عليها أهالي المخيم، ورغم كل ما يحدث، كان يمرر بعضًا منها لجيرانه، ممن لديهم أطفال صغار، “علمًا بأن كثيرًا من الناس، أجبروا على تناول الطعام، إن وجد، خفيةً، وكأنهم كانوا يرتكبون جريمة”، بحسب “أبو ماهر”.

“في الأشهر الأخيرة التي رأيناه فيها، كان أبو محمود يمشي بتثاقل، وهو يحمل في يده بعض الحشائش التي جمعها لتوه، وفجأة تهاوى على الأرض فاقدًا الوعي، ساعده بعض الجيران، ريثما يستعيد وعيه”، بحسب الجار.

كان بعض الناس يفقدون الوعي عدة مرات في اليوم نتيجة الجوع ونقص السوائل، ويختم الجار حديثه “انهار جسد أبو محمود، وتمكنت منه بعض الأمراض، كالتهاب الكبد الوبائي والتجفاف، حاول جاهدًا مصارعة الموت، كنا نراه وهو يجرجر قدميه حاملًا بعض الحشائش، محاولًا الصمود، حتى افتقده الجيران بعد فترة، فكسروا باب منزله، ليجدوا جثته منتفخة، وقد اقتطعت الجرذان أجزاء منها”.

تابعنا على تويتر


Top