الصراع السوري وانتعاش أوهام الحسم العسكري

أكرم البني – جريدة الحياة

بعد فسحة من الأمل، تراجع فيها منطق العنف والحرب وتقدمت لغة التفاوض السياسي، عاد المشهد السوري إلى سابق عهده مثقلاً بالفتك والدمار، وعاد السلاح ليكون صاحب الكلمة الفصل، منعشاً الأوهام بجدوى الخيار العسكري ومستهتراً بالنتائج المأسوية التي يخلفها على حياة البشر وأمنهم وشروط عيشهم وعلى وحدة الوطن والدولة والنسيج الاجتماعي، وما يزيد الطين بلة، أن كل طرف يحمل الآخر مسؤولية هذا الخيار، إما كرد على انسحاب المعارضة من اجتماعات جنيف ولإجبارها على العودة الى طاولة المفاوضات، وإما لإضعاف نظام يرفض المعالجة السياسية ولإجباره أيضاً على قبول خطة الطريق الأممية والمرحلة الانتقالية العتيدة.

وبينما لا تزال جماعات المعارضة المسلحة منشغلة بترميم قواها وتحصين مواقعها بعد الضربات الجوية الروسية، فإن النتائج التي حققتها هذه الأخيرة مكنت النظام وحلفاءه من التقاط زمام المبادرة والبدء بمرحلة من التصعيد العسكري مستندين إلى ثلاث نقاط داعمة.

أولاً، استثمار الانفلات الناجم عن انهيار هدنة وقف العنف والأعمال العدائية لاستعادة السيطرة على بعض المواقع المفصلية ومحاصرة المعارضة المسلحة في مناطق محدودة ومعزولة، ربطاً بالتركيز على استعادة مدينتي حلب والرقة والتعويل على ذلك في قلب التوازنات القائمة ووضع الصراع السوري في مسار جديد يمكن النظام وحلفاءه من رفع سقف الاشتراطات وفرض إملاءاتهم.

ثانياً، تمرير التصعيد العسكري بالتناغم والتزامن، مرة، مع استعار معارك التحالف الدولي وقوات سورية الديموقراطية ضد تنظيم داعش ونجاح الأولى في التقدم والسيطرة على عدد من القرى والبلدات وآخرها مدينة منبج، ومرة ثانية مع الهجوم الواسع الذي تقوده قوات التحالف ذاتها مع الجيش العراقي للسيطرة على مدينة الفلوجة والاستعداد لاجتياح مدينة الموصل، وما يعطي هذا التناغم قيمة مضافة، انكشاف حالة من توزيع المهمات بين واشنطن وموسكو في إدارة الضربات الجوية للنيل من الجماعات الجهادية على أنواعها.

ثالثاً، الإفادة من تشتت المعارضة السياسية ومن الصراعات التنافسية الدموية التي تتواتر بين أهم جماعاتها المسلحة في غير منطقة من سورية، ربطاً باستمرار إحجام الأطراف الخارجية عن تزويدها بسلاح نوعي، هذا إن بقي خبر حصول جبهة النصرة على مضادات للطيران في إطار التخمينات!

لكن أن تكون الظروف مواتية لتحقيق بعض التقدم العسكري شيء، وأن يسمح تباين المصالح الدولية والإقليمية بتغيير التوازنات القائمة شيء آخر! والقصد أن الأفق سيبقى مغلقاً أمام أي تصعيد عسكري، وأن ثمة خصوصية لمعركتي حلب والرقة، ترتبط بصراع محموم على النفوذ المشرقي، يرجح أن تلعب أطرافه المتضررة دوراً كبيراً في إجهاض أية نتائج عسكرية حاسمة، حتى لو أدى الأمر إلى رفع منسوب الصراع ميدانياً وربما إعلان حرب مفتوحة! فليس من منطق ومصلحة يدفعان القوى الدولية والإقليمية المناهضة للنظام وحلفائه، كي تغض الطرف عما يجري وتقف على الحياد، وهي المدركة الأهمية الإستراتيجية لمدينتي حلب والرقة، إن في تمكين أعدائها وإن في إضعاف تأثيرها بالمستقبل السوري وبصراع الهيمنة على المنطقة.

ربما لا تسمح الموازين الداخلية والخيارات الدولية والإقليمية في اللحظة الراهنة بفرض حل سياسي عادل يحقق طموح الشعب السوري، وربما لا تسمح ببعث مسار التفاوض السياسي ومنحه ما يتطلبه من الجدية والزخم، لكن هذه الموازين نفسها لن تسمح أيضاً لأحد الطرفين، بتحقيق الغلبة والانتصار خاصة في مدينة مثل حلب، ومن هذه القناة يمكن النظر إلى تحذيرات الوزير كيري بأن صبر واشنطن بدأ بالنفاد، وتالياً إلى مسارعة موسكو تجميد القصف والأعمال القتالية وإعلان هدنة قصيرة في المدينة من طرف واحد.

يصعب على المرء فهم الطريقة التي تنظر فيها أطراف الصراع إلى ما يجري، وكيف تخلص إلى تغليب الخيار الحربي على كل شيء، وتعجب بعد أعوام عديدة من تجريب مختلف أصناف الأسلحة وأكثرها فتكاً ومن استجرار كل أشكال التدخل الخارجي وما تحمله من مصالح وأهداف خاصة، تعجب من استمرار الأوهام بإمكانية الحسم ونجاعة منطق كسر العظم، وتالياً من نكران حقيقة مرة تقول بلا جدوى هذا الخيار، وأنه يسير بالبلاد، في ضوء التشابكات الدولية والإقليمية العنيدة والمعقدة للوحة الصراع السوري، نحو الأسوأ سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، ونحو المزيد من الضحايا والخراب والمشردين واستنزاف ما تبقى من قوة المجتمع وثرواته.

فإلى متى يبقى الشعب السوري أسير الخيار الحربي في رهان السلطة أو المعارضة على الانتصار؟ أوليس أمراً مؤسفاً ومقلقاً في آن، الوقوف أمام قادة للمعارضة لا ينفكون عن تكرار أوهامهم عن حسم عسكري سريع في حال مدوا بأسلحة نوعية أو تم تحييد الطيران، وأمام نظام لم تفارقه الأوهام ذاتها، واعتاد مع كل محطة يحقق فيها الخيار العسكري بعض التقدم، أن ينعش هذه الأوهام ويكرر لازمته، بأن الأزمة توشك على الانتهاء وبأن ما تواجهه البلاد سيغدو في وقت قريب من الماضي؟!

لن تعود سورية إلى ما كانت عليه قبل آذار (مارس) 2011… هي عبارة يتداولها الكثيرون كحقيقة لا تقبل التأويل. ولكن بين تشاؤم العقل وتفاؤل القلب، ثمة بارقة أمل، تتعدى الرهان على محصلة صفرية للصراع تكره أطرافه الداخلية على التنازل والانصياع للحلول السياسية، أو على تقدم توافق وإرادة أمميين يضعان حداً لما يجري، إلى الرهان على خصوصية الشعب السوري وعلى شدة ما يعانيه في لعب دور فاعل يحاصر منطق العنف والغلبة والإكراه، يحدوه رهان على جدوى المثابرة في نشر ثقافة تنبذ التمييز والاستفزاز وإثارة الحقد والبغضاء، وترفض أي خطاب إيديولوجي مسطح يحتقر السياسة وحقوق الإنسان ويستسهل قتل البشر وسفك الدماء لأغراض سياسية أو دينية، ثقافة لا يمكن من دونها أن يكون السوريون أوفياء للتضحيات العظيمة التي بذلت ولشعارات الحرية والعدل والكرامة.

تابعنا على تويتر


Top