لنحيا بالأمل

عنب بلدي – العدد 67 – الأحد 2-6-2013
بشير – حماه
2
جرت السنن الكونية على مرّ العصور واخبرتنا أن ثمن التغيير باهظ وأن كلفته عظمية بعظم الحدث تمامًا، فقيم الحرية والمعاني العظيمة التي اكتسبناها بفعل الثورة لا يمكن أن تُجنى بدون ابتلاءات وامتحانات تظهر عندها كوامن النفوس وتنبثق من خلال تلك الابتلاءات إرادة الشعب في وجه الظالم تتحداه على أن تحيا رغم كلّ ما حلّ بها من عذابات ودمار وتشريد وقتل وتدمير.
لكن الأمور لم تنتهي بعد، ونظام الأسد يصر على تدمير البلد والأخذ بها إلى المجهول، هنا وفي ظلّ كل تلك التعقيدات التي تصاحب قضيتنا يأتي الاضطراب النفسي والتوقعات السيئة المصاحبة للإشاعات، والقلق المدمّر المصاحب لتلك التوقعات السيئة الذي يسيطر على الكثير من النفوس ويجعل منها مواطن للبؤس والشقاء فتموت قبل أن يأتي الموت إليها بأشواط .. !
ففي مدينة حماه مثلًا تتردّد الأخبار منذ فترة عن وجود خطة عند الجيش الحر لدخول المدينة وتحريرها من قبضة الأسد، ولسنا بصدد تصديق أو تكذيب الخبر، لكن الذي يحدث عند غالب الناس أن القلق يبدأ بالتسربل إلى النفوس وتنهار الإرادات دون تلك الأخبار ويهيمن البؤس والقلق على النفوس خوفًا من القادم، وترسم الصور للدمار والعذاب والتشريد والقتل قبل أن يحدث كل ذلك وربما تحدث الأمراض الخطيرة نتيجة توقع الأسوأ والأسوأ دومًا.

قيل أنه في أثناء الحرب العالمية الثانية دلّت الإحصاءات أن القلق قتل حوالي ثلث مليون مقاتل تقريبًا قبل أن تقتلهم المعركة، وقتل داء القلب مليوني نسمة ومن هؤلاء الذين ماتوا من داء القلق حوالي مليون من جراء القلق الذي انتابهم وساعد على ذلك توتر الأعصاب.
لا نستطيع أن نستنكر الخوف من المجهول، فهو أمر فطري وطبيعي، لكن غير الطبيعي أن نطلق العنان للخوف وندعه يسيطر على حياتنا ويكبّلها بالمزيد من القلق الذي يولّد أعصابًا متوترة وينهك أعصاب المعدة وتنقلب عصارات المعدة الهاضمة إلى عصارات سامّة وتأتي قرحة المعدة وأمراض الضغط والسكري والتهاب المفاصل والعقد النفسية التي تبنى على تراكم وتضخّم الأفكار السلبية وتوالدها وتكاثرها حتى قبل أن تحدث، وهي حالات بتنا نشاهدها بكثرة في سوريا للأسف جراء القلق من الحرب وما تحمله من هموم، والتي غالبًا -بل كثيرًا- ما تكون مجرد أوهام لا وجود لها ولا صحة لها.

والحل للتخلص من داء القلق هو «التصرف» فإن لم نتصرف تصرفًا معينًا فإن الكثير من الوقت سوف يضيع، لأن التفكير الطويل بمشكلة ما يخلق المزيد من القلق والاضطراب، واتخاذ القرار والبدء بالتنفيذ هو الحل السريع للتخلص من القلق، فالقلق حبيب الفراغ، يقول الله تعالى: «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه»، ويقول علماء النفس من المستحيل أن ينشغل ذهن بشري في وقت واحد بأكثر من عمل واحد، فالذي يشغل وقته لا يكون لديه وقت للقلق أساسًا، فإشغال النفس بالقراءة والكتابة والعلم والرياضة والأعمال الثورية والأعمال الخيرية التي يحتاجها مجتمعنا بكثرة هذه الأيام، هي خير سبيل للتخلص من جبال القلق في دواخلنا فالحكمة الشهيرة تقول: إن أفكارنا تصبح فارغة تمامًا عندما ننتهي من أعمالنا.
وتشير الإحصاءات إلى أن 50% من القلق إنما يزول بمجرد أن نحصل على القرار الرشيد، و 40% من الباقي، يزول عندما نشرع بتنفيذ القرار الذي اتخذناه.

لنسأل أنفسنا دومًا ما الفائدة من القلق إزاء أمر لم يحدث بعد؟ ما الفائدة من توقع الأسوأ دومًا؟ ولنتذكر دومًا أنه ليس هناك أحد من أبناء الإنسانية لديه قوة تقاوم ما ليس بد منه، علينا في مثل هذه الظروف أن نحيا بسلام وأمان داخلي في الوقت الذي نفتقد للسلام والأمان الخارجي، علينا أن نخلق نفوسًا مفعمة بالتفاؤل والأمل قدر الإمكان وأن نحدث أنفسنا ونربي ذواتنا على ذلك.
يقول ديل كارنيجي: لو تحليّنا بكل ما هو مشجع من الافكار وباعث على العمل، لاستمتعنا بكل لحظة من لحظات حياتنا، حتى لو كان الموت يوشك أن يخطفنا، أو حبل المشنقة أن يلتف حول عنقنا أو كنا نواجه عاصفة ثلجية.

لنحيا بالأمل فبه تحيا الشعوب العظيمة 🙂

تابعنا على تويتر


Top