إمكانية بناء الديمقراطية في سوريا بعد سقوط النظام

عنب بلدي – العدد 67 – الأحد 2-6-2013
عامر مهدي

يبدو السؤال صعبًا وتزداد صعوبته عندما نرى تعقيدات الحالة السوريّة والتدخلات السافرة من بعض الدول بالشأن السوري وإمدادها للنظام بكل أنواع الدّعم لإطالة عمره والمحافظة على نفوذها في المنطقة. ولكن إذا دقّقنا في حالات أخرى لا أقول مشابهة ولكن قريبة مما حصل في سوريا، على أن مقاربة الوضع السوري لأيّة حالة أخرى قد تكون مهمّة مستحيلة نظرًا لخصوصيّة هذا البلد والظروف التي مرّت بها ثورة هذا الشعب حتى وصلت إلى ما نحن عليه اليوم، نرى أن سوريا تمتلك بعض المقوّمات التي تعد بوجود أرض خصبة تبعث على الأمل بتحقيق الديمقراطية في سوريا ولو على الأمد البعيد، ولكن تحت شروط نأتي على ذكر بعضها في هذه السطور.

لابدّ من التنويه بدايةً أنّ بناء الديمقراطية في الدول التي مرّت بأزمات قريبة مما يحدث في سوريا متعلق بالمسار الذي آلت إليه الأمور في هذه الدول والدمقرطة اعتمدت بشكل كبير على شكل هذا المسار. ففي بعض الدّول انتهت الأزمة بانتصارٍ لأحد الفريقين المتصارعين على الآخر حيث فرض المنتصر سلطته على الدولة، وفي دول أخرى انتهت باتفاق سلام بين الأطراف المتصارعة برعاية دولية وغالبًا تحت إشراف قوات سلام من الأمم المتحدة، وفي بعض الدول الأخرى كان هنالك منتصر ولكن الفوضى عمّت البلاد ولم يتحقق السلام.
التوقعات تتجه حتى الآن أنّ المسار في سوريا سيأخذ منحى الخيار الأول وهو أنّ الشعب الثائر سينتصر على نظام الطاغية وبعدها ستبدأ مرحلة إعادة البناء وربما الدمقرطة وهذا يعيدنا إلى فكرة مقوّمات الديمقراطية التي تمتلكها سوريا.

لعلّ من أهم مقومات بناء الديمقراطية هو أن تكون الديمقراطية مطلبًا جماهيريًّا ولعلّ الحالة السورية تقارب هذا الطرح حيث الأزمة في سوريا بدأت بثورة شعب ضد الظلم والاستبداد ورغبةً في بناء دولة يسودها العدل والمساواة وتتيح لكل أبناءها المشاركة في بناءها من خلال عمليّة ديمقراطية قائمة على انتخابات حرّة وشفّافة. قد لا تكون هذه الأفكار متبلورة في أذهان جميع من خرجوا إلى الشوراع مطالبين بحقوقهم ورفع الظلم عنهم في آذار العام 2011 ولكنّهم وبسبب طول أمد هذه الثورة فقد تشرّبوا كثيرًا من هذه الأفكار وبدؤوا يفهمون معناها.
ولكن امتلاك مقومات الديمقراطية لا يعني تحقيقها بشكل أوتوماتيكي، فهي بحاجة إلى شروط وعوامل إن تحققت وتم تنفيذها بعناية، فقد يستطيع هذا الشعب البطل وضع بلده على أول خطوة في الطريق نحو الديمقراطية.

لا توجد وصفة سحريّة لشروط بناء الديمقراطية في أيّ بلد، فكل بلد له ظروفه وحتى اليوم ما يزال علماء السياسة يحاولون فهم شروط التحول إلى الديمقراطية ولم يجدوا حتى اليوم منهجًا موحّدًا يمكن اتباعه وتطبيقه على أي بلد حتى ينتقل من الديكتاتورية إلى الديمقراطية. ما يتحدث عنه علماء السياسة هو شروط وعوامل يرون أنها ساعدت دولًا مرّت بأوضاع قريبة مما تمر به سوريا اليوم.
من هذه العوامل تحديد التوقيت والأولويات ووضع خطّة الانتقال إلى الديمقراطية، وضع ضوابط لحفظ الأمن وتفكيك الجماعات التي حملت السلاح وسحب السلاح من المدنيين وحصر استخدامه بأجهزة الأمن التابعة للسلطة المدنية للدولة، إنشاء حكومة انتقالية مؤقتة غير منتخبة لإدارة المرحلة الانتقالية وإيصال البلاد إلى مرحلة برلمان منتخب وسلطة تنفيذية منتخبة قائمة على مبدأ المشاركة والتعددية وعدم تهميش أي فئة من فئات المجتمع، مساعدة المجتمع الدولي ورعايته لهذا الانتقال الديمقراطي من خلال تأمين الدعم التقني والمادي، كتابة دستور جامع يحوز على رضى أكثرية أبناء المجتمع، إعادة بناء المؤسسات الدستورية والسياسية وتشكيل الأحزاب السياسية وبناء المجتمع المدني، وإعادة الإعمار وتطوير الاقتصاد لتشغيل ملايين العاطلين عن العمل ومساعدة من حمل السلاح على العودة إلى الحياة المدنية.

قد تكون هنالك شروط أخرى مهمّة في الحالة السورية ولكن هذه الشروط المذكورة هي ما أجمع عليه معظم المتخصّصين في شؤون الدمقرطة في الدول التي مرّت بنزاعات قريبة من الحالة السورية وكل من هذه الشروط أو العوامل يحتاج إلى الكثير من التمحيص والتدقيق ولكن هي عناوين عريضة أسردها لنبدأ التفكير في كيفية تحقيقها علّنا نقترب خطوة باتجاه الديمقراطية والحريّة والعدالة.

تابعنا على تويتر


Top