ولدت هنا كلماتنا.. بين واقع الكتابة وكتابة الواقع عند طلاب دمشق

Damascus-university.jpg

جامعة دمشق - انترنت

بيلسان عمر – دمشق

لن أكتب لكم بالمقلوب لا بالأحمر ولا بالرصاص، بل سأكتب لكم من خلف الشاشة الزرقاء، لن أكتب توجعًا للوطن المفقود، ولا حدادًا على إنسانيتنا التي سقطت قبل سقوط بغداد بقرون، لن أرفع بكتاباتي علم أي جبهة من الجبهات، ولن أطلب بكلماتي تحريرًا للبلاد، بقدر ما هو فتحٌ مبينٌ للقلوب والعقول، فقد سئمنا الكلام الذي سرعان ما يتبخر في الهواء.

أظهر استبيان أجريناه على مجموعة طلاب جامعيين حول موضوع كتابة الواقع وتدوينه للتفريغ عن المشاكل التي تثقلنا، أن الطلاب تفرّقوا بين مشجع على كتابة الواقع، وآخر مجاف لها، غير آبه بها كوسيلة للتفريغ الانفعالي، وثالث اعتبرها تشويهًا للحقائق، ومداراة لفئة على حساب أخرى، بينما اعتزلها آخرون ليبتعدوا عن تكرار المواضيع والأحداث، وخوفًا من انفصام شخصياتهم بين الكلمات والواقع، وجاءت الآراء على النحو التالي:

عشق على ورق

“أتدرين يا حبيبتي أن الكتابة إليك باتت متنفسًا أهرب به من عالم البشر إلى عام أفلاطوني خلقته أنت بإبداع الخالق فيك، أشعر بالسعادة وأنا أكتب، وأعزّي نفسي بكلماتي الخجولة أمامك بأنني وإياك وحدنا حتى ولو على الورق، أتضايق لحظات خشية من كلمات لا أريدها أن تكون منمقة، لتنقذني مشاعري التي تنساب وحدها على الورقة حروفًا وكلمات ودموعًا، بإذن أو من وراء جدري التي تتكسر على أبوابك آهات وأشواقًا”، هكذا ابتدأ المعتقل (س) رسالته إلى زوجته (ع) التي تدرس في كلية الآداب، وصلتها مع أحد المفرج عنهم، ورطوبة الزنزانة تعبق بها، ليزداد قلقها على المعتقلين، رغم فرحها بما وصلها.

ما هكذا تُداوى الجراح

بعد اعتقال دام ثمانية أشهر لأحمد، الذي يدرس في كلية الطب البشري، طلب منه أصدقاؤه أن يكتب عن تجربته في المعتقل، ولكن أحمد لم يشأ أن ينزف حبره ألمًا، “لا أريد أن أزيد آلام البشرية، لن أكتب قصة اعتقالي ثم أنشرها وأتاجر بها وبآلام إخوتي المعتقلين، فما هكذا تداوى الجراح، فإن كانت الكتابة عما جرى لكسب تأييد الرأي العالمي فهو عارف بما يجري وصامت يدّعي أنه غير دار، وإن كانت لتخويف الآخرين ألا يخوضوا نفس الطريق فليس بهذه الطريقة، وإن كانت للتفريغ الانفعالي، فالأجدى استخدام آليات تفريغ أخرى بعيدًا عن استحضار تفاصيل تلك التجربة المؤلمة”.

التاريخ يعيد نفسه

بينما ارتأى سامي، الذي يدرس في كلية التجارة والاقتصاد، أن المواضيع أصبحت مكررة، وأنه لا يريد أن يكون جزءًا من دوامة التاريخ هذه، ويقول “هل أكتب عن انقسام الكوريتين، أم حرب الخليج، أم الفيتنام ودير ياسين، أو البوسنة وصربيا، أأكتب عن اعتصامات أمام السفارات، أم أبتعد قليلًا عن السياسة وأكتب عن صفقات لبيع مواد غذائية فاسدة، جرائم شرف وأم تقتل زوجها وابنتها بعد أن رأتهما في فراش واحد، أم أكتب بسخرية قليلًا فأصور مشهد آلاف الناس المحتشدة في مزاد علني لشراء حذاء مايكل جاكسون، أم أكتب عن واقع الثقافة، والكتب الرائجة حاليًا انطلاقًا من أجمل رسائل الموبايل، إلى 10 طرق لكسب قلب الحبيب وبثلاثة أيام فقط، تصور يا رعاك الله، مرورًا بالأعشاب المنحفة، وكريمات التجميل وتبييض البشرة، وصولًا إلى آخر فيديو كليب لهيفا ونانسي وسارية وغيرهم الكثير، إذن ها أنتم عاينتم وعانيتم من هذه القصص الأمرّين، فلماذا أكتب وأعيد لكم جراحكم التي لم تلتئم بعد”.

الواقع أصدق إنباء من الكلمات

في حين تعتقد أسماء، وهي طالبة تاريخ، أن الكلمات مهما كانت صادقة، فلن تستطيع أن تصور الواقع بكل آلامه، “هل أكتب عن تفريق الناس بالرصاص أمام الجمعيات الخيرية، أم عن محاربة حكوماتنا لنا بلقمة عيشنا، أم عن خنقهم لنا بالكهرباء والماء والحواجز الأمنية، أو لربما عن غلاء أسعار المنازل، والتهجير، والحصار والغربة والاعتقال والشهادة وحفنة التراب الممزوجة بدمنا والتي سموها وطنًا، وباتت بلا مواطن، أم عن الغلاء واحتكار المواد التجارية، أم الدولار الذي يتراقص ويغدو حديث الشارع، أم عن تسريب أسئلة الامتحانات لطلاب الثانوية دونما أدنى تحمل للمسؤولية من الجهات المختصة؟، وغيرها الكثير مما يجري وتقف الكلمات عاجزة عن تصويره”.

نحو مزيد منالتنظير

سلمى، طالبة فلسفة، اعتبرت أن الكتابة باتت منبرًا للمنظّرين يعتلونه كل حين، تتجلى من خلالهم “لم تقولون ما لا تفعلون”، وتقول “أمثال هؤلاء وكتاباتهم يجعلونني أعزف عن مجرد التفكير بالكتابة، فمثلًا نجد أناسًا جاؤوا من أقصى الكوكب، ليتخذوا مكانًا قصّيًا، وليتحدثوا عن الإقصاء، ثم عن ضرورة تقبل الآخر، واحترامه، عن عدم أهليّة السلاح في حسم ثوراتنا، والسلاح بأيديهم مبررين أنه أبيض، عن الإحساس بالآخر، وبما يعانيه في حياته اليومية من تأمين مأوى وطعام، وبيوتاتهم الفارهة مقفلة، تركوها بعد أن سافروا، ولم يكلفوا أنفسهم عناء سؤال أحدهم أن يسكن بها، تتصفح كتاباتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتجدهم يحفزون الشعب في الداخل على الاستمرار بالحرب المستعرة، وعن ضرورة الجهاد بالنفس والمال (يلتعن أبونا نحن وولادنا.. المهم هنن وولادهم وصلوا بر الأمان)”.

وتضيف “تكتب إحداهن في اليوم الأول عن أهمية وضرورة الحجاب، وبعد أن تخلعه، تكتب عن الحرية الدينية، ولا إكراه في الدين، ومرة ثانية عن تقبل الآخر، نفاق اجتماعي بامتياز يفتك بنا، فأي كلمات تستطيع أن تجسد هذا؟”.

الكتابة مفتاح سحري لحل لعبةالبزل

سيف الدين يدرس هندسة الميكانيك، ويرى أن الواقع “لعبة بزل” قطعها متناثرة، ينتظر كاتبًا لا مهندسًا يجمع بكلماته شتاتها، “أكتب لأن حلمي بأن تتلخص البشرية من عنفها، وتعود إلى رشدها، والقلم وما نسطر هو الذي سيحررنا من أوهامنا، كما أتوهم”.

ويعزو سيف الدين ما يكتبه إلى محاولات لـ “نقل الأمانة”، إذ يقول “أكتب كيلا يفتت صمتي أضلعي، كي أنقل الحقيقة وليسجل التاريخ ما مر بنا، عسى الجيل القادم يتجاوز أخطاءنا، فالكتابة متنفس وجو ندخل به أنفسنا بعيدًا عن أجوائنا المقيتة، أكتب عن أفراح الناس، عن قصص نجاح عاشوها، أشجع بقلمي جيلًا كاملًا، أحمل أمانة نقل النجاح لغيري، وبين قصة من هنا وثانية من هناك أعمل جاهدًا لإعادة تركيب البزل الواقعي”.

الكاتب اللي ما بيعجبك “….”

تعاني أمل، طالبة رياضيات من تشوه خلقي في وجهها، يبعد كثير من الناس عنها، وكلما شرعت بفتح حوار أو مجرد فتات حديث، تجدهم يهرعون منها، فلجأت إلى الكتابة كأسلوب تتخفى به وراء السطور، وتوصل ما تريد إلى غيرها، “أكتب لأن صوتي لا يصل أبعد من أنفي المدبب، عل القارئ يعي ما يقرأ ويتمعن به دون أن يهتم بشكل القائل، وصورته والسواد الذي يحيط بعينه السوداوين أصلًا، كأقل قدر من الاهتمام بالشكل، ويهتم بالحكمة تأتيه بغض النظر عن شكل الحكيم”.

خذوا كلماتنا وأعطونا كفاف يومنا

بدأت ريم، طالبة الأدب العربي، مشروعها في نشر ما تكتب، وبرأيها فإن الكتابة ليست أكثر من مصدر لكسب الرزق والشهرة، “أكتب لأسابق غيري من الكتّاب، وأحصل على عدد أكبر من المعجبين بما أكتب، فأبيع منتجاتي، وأعيش حياة تكفيني هم السؤال، فالكفاف حلم في هذه الأيام، والكتابة أحد طرق سد ذاك الكفاف”.

امرأة من ورق

يقضي شادي، طالب الهندسة المدنية، سنته الخامسة في الخدمة العسكرية (احتياط) فالدفعة التي كان من المفترض تسريحها من الخدمة العسكرية في أوائل سنة 2010م، مازال الاحتفاظ بها جاريًا حتى الآن.

ويحاول شادي أن يتواصل مع حبيبته عبر الرسائل الورقية، إذ يظن أنها تحمل المشاعر أكثر من الرسائل الإلكترونية، رغم سهولة وسرعة الثانية، ومع ذلك فهو يشعر بالضيق، فخلال زيارة حبيبته له مرة كل عدة أشهر، لا يجدان سبيلًا للتواصل، فقد اعتادا الكلام عبر الورق، وقد أرسل آخر رسالة ورقية لحبيبته كتب فيها: “أعلم يا حبيبتي أن للكمات سحرًا كبيرًا، ولكنني في الفترة الأخيرة أصبحت أحس بأننا بتنا غير قادرين على التعبير عن حبنا إلا على الورق، فمهما فعلت الكلمات فهي ليست ككلمة واحدة أسمعها من شفتيك، فلم أعد أريد حبًا يولد على الأوراق، أو مشاعر من حروف لا تلهب أضلعي، ولا مطرًا يسكب من حبر يملأ فراغاتي الظمأى، فأنا يا سيدتي رجل يملّ إن لم تسكني أنفاسي، يا شمسي المشرقة لا تغيبي، فهذه الدنيا سراب إن غبت، وإن غبت فمن على الورق ألاقي”.

ولدت هنا كماتنا، وهناك كلماتهم، أو لربما ولدا معًا، فالقلم وما يسطرون، نعمة لأحدهم فرّغ من خلالها ولو على الورق ما يعاني، وأوصل أسمى مشاعر حبه إلى من يعشق، ونقمة لآخر استُدرج من خلالها إلى غياهب المعتقلات بما اقترف قلمه، ويبقى السؤال هل الكتابة نعمة أم نقمة؟

تنويه: تحفّظنا على الأسماء الكاملة للطلاب الشهود، لما قد يسببه ذلك لهم من مساءلة أمنية

تابعنا على تويتر


Top