توافد اللاجئين على أوروبا أنعش المصانع السورية في الخارج

متة و”دخان وطني” ومعسّل بأنواعه.. منتجات سوريّة تغزو العالم

268863_146479965430619_4925676_n.jpg

منتجات وسلع سورية معروضة للبيع على رفوف صالات العرض في أوروبا (فيس بوك)

عمر الحلبيعنب بلدي

لم يفقد اللاجئون السوريون في دول الجوار والعالم المنتجات والسلع الاستهلاكية السورية التي اعتادوها في سوريا قبل الثورة، وخاصة المواد الغذائية والمشروبات ذات الماركات المحلية الشهيرة.

فقد رافقتهم هذه السلع من سوريا إلى بلدان اللجوء وباتت تعرض على رفوف المتاجر وتباع في أسواق أوروبا وتركيا ولبنان والأردن، وغيرها من البلدان التي وصل إليها السوريون هربًا من الموت.

المتة، والسجائر الوطنية، والخبز السوري، والمرتديلا والمعلبات، وزيت الزيتون، والزعتر، كلها منتجات سورية لم يجد المغتربون عن بلدهم صعوبة في العثور عليها في بلدان اللجوء بعدما وصل عدد اللاجئين السوريين إلى نحو أربعة ملايين في دول الجوار، و500 ألف سوري في أوروبا خلال السنوات الخمس الماضية.

لا يجد الشاب ماهر قدور، والذي حصل على اللجوء في ألمانيا منذ شهر آذار الماضي، مشكلة في الحصول على منتجات سوريّة وخاصة من أصناف المواد الغذائية وصولًا إلى الحمّص والفول والمسبّحة المعلبة التي تأتي من سوريا عبر وسطاء وتجار، وأقرباء اللاجئين.

ويعتبر أن كثرة عدد اللاجئين العرب والسوريين حفّز التجار على الاستثمار في هذا المجال، والمسارعة في افتتاح خطوط استيراد من دول عربية مجاورة لسوريا من أجل شحن البضائع وإدخالها للأسواق المحلية.

ورغم عدم وجود أي علاقات تجارية بين بلدان أوروبا، حيث يوجد عددٌ كبير من اللاجئين، وحكومة النظام السوري (الذي تقع تحت سيطرته معامل الإنتاج) لتسهيل التبادل التجاري، إلا أن حركة انسياب المنتجات باتجاه واحد ماتزال قائمة وبوتيرة مرتفعة، متأثرةً مع موجات اللجوء وحجمها. لكن يبقى سؤال في بال الكثيرين يدور حول كيفية وصول هذه المنتجات إلى أسواق أوروبا ودول الجوار؟

يقول سامر خالد، صاحب محل تجاري متخصص ببيع المنتجات السورية في مدينة اسطنبول لعنب بلدي، “خلال السنوات الأولى من الثورة كانت تصلنا البضاعة على اختلاف أنواعها من الشمال السوري وتوزّع على المدن التي يتركز فيها العدد الأكبر من اللاجئين السوريين وخاصة في مدن جنوب تركيا واسطنبول، وكانت حركة المبيعات كبيرة جدًا لأن السوريين ارتبطوا بهذه المنتجات”.

“كان هناك عامل نفسي وراء زيادة الإقبال على المنتجات السورية”، بحسب خالد، كونها مرتبطة بالهوية السورية والعادات اليومية، فـ “السوريون لا يريدون أن يشعروا بجو الغربة، لذلك كانوا يتهافتون على اقتناء أي شيء مصدره سوريا، مثل الزيت والزعتر والأجبان وغيرها”.

دكاكينسوريّة في تركيا

بناء على ذلك نشط العمل في تجارة المواد الغذائية والمنتجات السورية عمومًا، فلا يكاد يخلو حي أو شارع رئيسي في مدينة تركية إلا ويتخللها “دكان” يبيع منتجات مصدرها سوريا، بعدما دخلت تركيا بطرق شتى منها نظامي ومنها عبر التهريب.

ويؤكد خالد أنه نظرًا لاستمرار تدفق السوريين إلى تركيا بسبب العنف، ولتلبية طلبات السوريين على السلع الأساسية وجدت حاجة ماسة لافتتاح مصانع سوريّة تسد الاحتياجات أبرزها معامل الخبز والصمون والكعك السوري.

وقد حقق أصحاب هذه الاستثمارات أرباحًا كبيرة، ودخلوا بين بعضهم في منافسة انعكست إيجابًا على السوريين لناحية خفض الأسعار لقاء بيع أكبر كميات من الإنتاج وتصريفها، كما حصل مع مجموعة أفران سورية في اسطنبول اتفقت إداراتها على وزن الربطة وسعرها بليرتين من العملة المحلية، بعدما وصل عدد أفران الخبز في اسطنبول وحدها إلى 30 فرنًا.

تطور الأوضاع السياسية في الملف السوري، والخطوات التي اتخذتها تركيا عبر فرض تأشيرة دخول على السوريين، إضافة إلى التشديد الأمني على الحدود لمواجهة التهريب وحركة الانتقال في الاتجاهين، حدّ من تدفق البضائع إلى تركيا والتي كانت تدخل برفقة السوريين على شكل بضائع شخصية، ما شجّع على افتتاح مصانع سوريّة لتغطية النقص على الطلب المحلي والتصدير على أنها منتجات تركية بخبرات سورية، وهذا حقق قيمة مضافة للاقتصاد التركي وساهم في تشغيل العمالة السورية.

في أوروبا.. “البيت بيتك

أحمد الخالدي، شاب سوري يعيش في هولندا، بعدما لجأ إليها هاربًا مع عائلته من مدينة إدلب، أكد لعنب بلدي أنه رغم لجوئه في بلد أجنبي، ورغم اختلاف العادات والتقاليد وبيئة المعيشة بشكل كلي، إلا أن أيًا من أفراد عائلته، وخاصة والدته، لا يشعرون بالغربة فكل ما يريدونه من السلع السورية والمنتجات المعروفة موجودة في مركز مدينته حيث يقيم.

وافتتحت شركة “الدرة للصناعات الغذائية” متاجر تجزئة تورد إليها البضائع من مصانعها التي افتتحتها في الأردن بعد اندلاع الثورة السورية، بحسب الخالدي، الذي يضيف أن ماركة “الدرة” أصبحت من أهم مزودي أسواق أوروبا بالمنتجات السورية الأساسية كالمعلبات والمربيات والمخللات وغيرها.

يوضح الشاب أنه خلال شهر رمضان الماضي، لم يحرم السوريون من المشروبات الرمضانية المعتادة مثل العرق سوس، وقمر الدين، والجلاب، والتمر الهندي، وقد أحضروها عبر “الشحن السريع” من سوريا أو من دول الجوار، بعد أن تدخل إليها إما تهريبًا أو كمرفقات شخصية مع المسافرين. وأصبحت المحلات التجارية في ألمانيا وبعض البلدات الأوروبية تبيعها وبأسعار مقبولة بعد أن صارت تصنّع محليًا.

ويشير الخالدي إلى أن نسبة الإقبال على السلع السورية “كبير جدًا”، نظرًا لأسعارها المقبولة التي تناسب دخل اللاجئين الشهري (300 يورو للفرد)، ولكونها تنافس المنتجات الألمانية والأوروبية عمومًا، حيث يبلغ سعر الجبنة البلدية المعلبة حجم 800 غرام ثلاثة يورو، وعلبة المتة (الخارطة) حوالي 2 إلى 3 يورو، وربطة الخبز (1 كغ) يورو واحد، ومعسل النرجيلة ماركة “تفاحتين” أو”نخلة” أو”الفاخر” بسعر حوالي 55 يورو للكيلو، وأربعة يورو للـ 200 غرام.

لماذ لا تخرج البضائع من سوريا بشكل نظامي؟

قبل الثورة، كانت البضائع السورية تدخل إلى أوروبا ودول الجوار بطريقة نظامية (تصدير)، وعزّزت الاتفاقيات الثنائية بين سوريا وهذه البلدان من انسياب البضائع إلى الأسواق العالمية، وكانت السلع وخاصة الخضار والفواكه تصدّر من المرافئ السورية إلى المرافئ الإيطالية والقبرصية والرومانية مثل مرفأ “كونستانا” الروماني لتصل إلى السوق المحلية ومنها إلى أسواق أوروبا الوسطى كالنمسا وصربيا وسلوفونيا.

ومع اندلاع الثورة، وفرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري، تغيرت المعادلة وبات التبادل التجاري في حدوده الدنيا ويعتمد بشكل كبير على القطاع الخاص، ومنعت الجهات الرسمية السورية من التصدير إلى أوروبا ودول عربية عديدة، فانهار الميزان التجاري ومال إلى صالح المستوردات.

لكن المحلل الاقتصادي إيهاب أبو وليد، يؤكد لعنب بلدي أن معظم البضائع السورية الموجودة في دول الجوار وخاصة المواد الغذائية وجدت طريقها إلى بيوت المستهلكين بـ “جهود شخصية” ولم تصدرها شركات أو مؤسسات سورية، لأسباب عديدة أهمها: قيود النظام على التصدير بسبب ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي، وفقدان المصنعين السوريين لعلاقاتهم مع نظرائهم في دول العالم بسبب العقوبات، ورغبة الطرف الآخر في إنهاء التعامل مع الجانب السوري خشية العقوبات الأوروبية والأمريكية، فضلًا عن فقدان المنتج السوري المحلي لميزته التنافسية في أسواق العالم، وخاصة عامل “الجودة” بعد هجرة الخبرات والكفاءات المحلية، ونزوح الخبراء العالميين من كبرى المصانع.

ويدلل خبير اقتصادي آخر (رفض ذكر اسمه) على أن هذه البضائع المعروضة لللبيع في دول الجوار وأوروبا قد دخلت تهريبًا، لكون “أمبلاج” عبوات المواد الغذائية مايزال محليًا بحت، وماتزال اللغة العربية هي المستخدمة في التعريف عن المنتج، وهذا يعني أنها غير معدّة للتصدير، لأن هناك شرطًا أساسيًا لأي سلعة يجب أن تصدر إلى بلد ما، بأن تكون بلغة البلد المصدّرة إليه، وأن تكون المعلومات على العبوات تخاطب المستهلك المحلي وتشرح له عن المنتج بلغته الأم، وهذا ما لا يتوفر في المنتجات السورية الحالية في دول الجوار وبعض دول أوروبا، عدا منتجات معمل “الدرة” وعدد قليل من المعامل التي افتتحت في دول الجوار، واستأنفت التصدير إلى أوروبا والعالم.

تابعنا على تويتر

Read it in English

Top