حديث الحل في سوريا

عبد الرحمن الراشد – الشرق الأوسط

رواية أن تركيا تميل للقبول بحل يرضى ببقاء بشار الأسد رئيسا للنظام السوري، من دون صلاحيات، ولمدة تحدد بستة أشهر، لا تبدو قابلة للتصديق. السبب أن هذا الطرح نفسه سبق وقبلت به معظم الدول الموالية للمعارضة السورية منذ أكثر من عام ونصف، وأعتقد أن تركيا بينها، الذي رفضه إيران وساندتها روسيا.

المبادرة موجودة على الطاولة، وتعكس ما كان يجري على أرض المعركة. فقد طرحت بداية في أعقاب محاصرة النظام، وقدمت كحل يوقف الضغط ومناورة لكسب الوقت. إيران وروسيا حينها رحبتا بفكرة نظام مختلط، وأعلنتا استقبالهما لوفود المعارضة للبحث في حلول مناسبة. وخلال الأشهر التالية رفع البلدان مستوى تسليح قوات الأسد، وأغرقتا سوريا بميليشيات مسلحة جلبت من العراق وأفغانستان، إضافة إلى قوات الحرس الثوري الإيراني، وكذلك «حزب الله» الموجودين مبكرًا. في نفس الوقت لعب تنظيم داعش دورًا تخريبيًا خطيرا حرف الثورة السورية عن مسارها، وشوه سمعتها، بعمليات الذبح والحرق الدعائية، واستهدف الأكراد والأجانب، كما هاجم مناطق الجيش الحر المعارض الذي استولى عليها خلال السنتين الماضيتين من حربه مع النظام. يضاف إليه استهدفت روسيا تركيا في محاولة لتحييدها. بسبب ذلك صار الحل السياسي غير ضروري لمحور طهران، اعتقادا منه أنه عسكريا نجح وأضعف الجيش الحر، وعطل نفوذ تركيا إلى حد كبير. كما أن الغرب خاف من دعم التغيير بسبب جرائم «داعش» المروعة، وبعد جحافل المهاجرين التي غزت أوروبا، في أكبر عدد يدخل القارة بلا إذن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ورغم تتابع النكسات، فإن العالم رأى بالدليل الدامغ أن نظام الأسد رغم كل ما حصل عليه، مثل مريض بالسرطان، عاجز عن الانتصار، وعاجز حتى عن الاحتفاظ وإدارة المناطق التي استعادها. يبدو نظاما متآكلا، إداريا وعسكريا وأمنيا، وفوق هذا كله لا يزال مكروها من غالبية الشعب. لم تفلح القوات الروسية الجوية، ولا الأرضية الإيرانية، ولا ميليشيات «حزب الله» والعراقية والأفغانية، في السيطرة على الأرض، وحلب مثال على ذلك رغم ما أصابها من دمار مريع.

حلفاء الأسد، الذين يدفعون بالدم والمال، يدركون جيدا اليوم أن الانتصار بعيد، ويعرفون أن ثمن الاستمرار في الدفاع عنه سيطول وسيستنزف مقدراتهم. هل هذا كاف لإقناعهم بالتخلي عن الأسد من خلال حلول تحفظ لهم ماء وجههم، وتحافظ على معظم مكاسبهم؟ لا أظن ذلك. هذه الأنظمة الفردية تعطي أهمية للاعتبارات السياسية والإصرار على الانتصار أكثر من حسابات الربح والخسارة.

عندما طرح حل يقترح الأسد رئيسا مؤقتا بلا صلاحيات، في وقت تجرى فيه انتخابات لمرحلة انتقالية وحكم مختلط من النظام والمعارضة، مشروط بإحالة الأسد للتقاعد، فإنه كان يعتبر تنازلا كبيرا من المعارضة والدول الحليفة لها. هذا الطرح لا يزال مناسبا آخذين في الاعتبار أنه لا أحد من الفريقين قادرا على حسم الحرب. لكن إن قبلت المعارضة بما هو أقل من ذلك، ستكون هزيمة مغلفة. نعرف أن الضغوط هائلة على حلفاء المعارضة، وهم يضغطون عليها. اللاعبان الرئيسيان روسيا و«داعش» تحديدا، وبسببها عبرت الحرب جزئيا الحدود إلى تركيا، حيث إن تكرار الانفجارات داخل أراضيها هو تطور خطير يهدد سياحتها وتجارتها واستقرارها.

لا أتصور أن تركيا، ولا دول الخليج، تقبل أن تنحني لإيران وروسيا في سوريا، لأن تبعاتها تتجاوز الأزمة السورية وتقوية المعارضة الحل الوحيد أمامها.

تابعنا على تويتر


Top