النظام يلعب على ضعف “حاضنة الثورة” ويحاول تشتيتها

هل غيّرت السنوات الخمس أهداف الثورة السورية؟

enabbaladi-revolution-Aleppo.jpg

ناشطون سوريون يرفعون لافتة في مدينة حلب - 4 تموز 2016 (عنب بلدي)

طارق أبو زياد – إدلب

يلعب النظام السوري على تحييد الحاضنة الشعبية عن الثورة السورية وقواتها، مستفيدًا من طول أمد الثورة ومرارة ما يعيشه السوريون على مدار السنوات الخمس السابقة.

وركزت أجهزة المخابرات ووسائل الإعلام الرسمية على محاولة سلخ الحاضنة وشغلها في البحث عن لقمة العيش والأمان، ما جعلها تفكر مليًّا في السبب الذي خرجت من أجله، الاحتجاجات ضد رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

تحاول عنب بلدي من خلال هذا التقرير مناقشة مدى تأثير سياسة النظام في المناطق الخارجة عن سيطرته، ودراسة مؤشرات التحول في خطاب المدنيين والناشطين، منذ آذار 2011.

تسليحالثورة ونظرية التخريب

خالد الحموي، ناشط الإعلامي في ريف إدلب، تحدث إلى عنب بلدي حول الوسائل التي اتبعها الأسد في تحويل الثورة وأهدافها منذ البداية من خلال الترويج بأن الثوار مخربون ومندسون وتكفيريون، على حد وصفه، وقال إنه سعى من خلال “بطشه الأمني” لتحويل الثورة السلمية إلى مسلحة، دافعًا الأهالي إلى حمل السلاح لحماية أنفسهم، “وهنا بدأت اللعبة لتوجيه الأنظار نحو فكرة واحدة وهي أن الثوار مسلحون وغايتهم تخريب البلاد وزعزعة الاستقرار”.

وكان انشقاق بعض العناصر من جيش النظام البداية الحقيقية لـ “تسليح الثورة”، ومن هنا بدأ النظام بفرز المناطق حسب سيطرته عليها، حتى غدت سوريا مقسمة إلى مناطق تخضع لسيطرته، وأخرى “محررة” تسيطر عليها المعارضة.

وعقب خروج بعض المناطق عن سيطرته، وجه النظام دباباته وطائراته نحوها مستهدفًا الأحياء السكنية  بالدرجة الأولى، ما خلق وجهة نظر منطقية، وفق الحموي، الذي تساءل بلسان حال المدنيين “هل نقصف الآن ونموت بسبب وجود مسلحين في مناطقنا، وبخروجهم يتوقف القصف والقتل؟”. ويرى الناشط أن هذا الأمر أثر على الحاضنة الشعبية للثورة التي بدأت تخف تدريجيًا وتمثلت بمشاكل طالب خلالها الأهالي بخروج مسلحي الثورة من بعض المناطق، على حد وصفه.

تشظي التيارات وغياب ممثل فعلي للثورة

ويعزو بعض الناشطين السبب في تحقيق ماكينة الأسد بعض أهدافها إلى غياب الممثل الفعلي لقوى الثورة، وتعدّد الجهات التي أغرقت بها الساحة السورية إلى جانب الجهات الخارجية وداعميها، ويقولون إن كل طرف دعم الأشخاص الذين يوافقونه في التوجه والرأي، فمنهم من يحاول إقامة “دولة إسلامية”، وآخرون يدعمون الديمقراطية، بينما يريد آخرون دولة علمانية، ورغم أن بعض قوى الثورة التزمت بحرب النظام السوري إلا أنها لم يكن لديها تصورٌ واضح لما ستؤول إليه الأمور مستقبلًا.

كل ما سبق أصاب السوريين بالتشتت وحالة من الضياع، وجهل في تحديد الطريق الصحيح، معتبرين أن كل جهة تتحدث كلامًا معسولًا ومنمقًا يجذب العقل إلى ما تريد، دون تحقيق أي شيء على الأرض.

الناشط الحقوقي والإغاثي معتز أبو عدنان، المنحدر من مدينة حماة والذي يقطن ريفها الشمالي، يرى أن الأثر الذي تركته هذه التوجهات “أمرٌ طبيعي حين تجد الحاضنة الشعبية تبتعد عن الثورة باعتبار أن كل طرف يحمل مشروعًا معيّنًا، ويسعى لتخريب مشروع الطرف الآخر”، معتبرًا أن المدنيين في الوقت الراهن لا يكترثون لما يحدث بين الفصائل، “فلا يهمهم أي هدف من الأهداف المطروحة، سوى أنهم يريدون العيش بأمان ويحصلون على ما يحتاجونه قبل كل شيء”.

“البطش الذي عاشه الشعب السوري على مدى 40 عامًا كان كفيلًا ليخرج جيلًا من الصعب عليه اختيار طريق يمضي فيه ويقدم خلاله التضحيات”، يقول أبو عدنان، مشيرًا إلى أن المشكلات التي تحصل بين كافة التوجهات الثورية على الأرض “جعلت الحاضنة الشعبية في وضع صعب لتختار من يمثلها ومن يحمل قضيتها، عدا عن التشتت السياسي الذي يعيشه الواقع السوري من تناحرات، إذ أصبح كل تيارٍ يتبع لدولة معينة”.

ويضيف أبو عدنان أن “الحقيقة المرة” تكمن في غياب ممثل حقيقي للشعب، مؤكدًا أنه “ليس هناك فعليًا جهة ترنو إلى مصلحة الشعب ولا تسعى لمصالحها وتضعها نصب أعينها، ولذلك فمن الطبيعي أن تجد الناس مشغولة في تأمين حاجاتها دون الالتفات لما يحصل على أرض الواقع، من باب أن الذي يؤمّن لي طعامي وشرابي هو من يمثلني”.

المحاربة بـلقمة العيش

لم يكتف الأسد بما سبق، بل لعب على وتر لقمة العيش، وبحسب الحموي بدأ بمنع المواد الأساسية عن سكان المناطق التي خرجت عن سيطرته، إضافة إلى “تركيعها” من خلال قطع الماء والكهرباء والاتصالات، وهنا بدأ الأهالي يتململون في ظل وضع “مأساوي”، مردفًا “أظن أن هذا السبب جعل الكثيرين يعيدون حساباتهم، ومنهم من ندم فعلًا في هذه الثورة”.

وعمد النظام السوري إلى حصار بعض المدن السورية كحال مضايا والزبداني وداريا ومعضمية الشام بريف دمشق، مستخدمًا سياسة الجوع أو الركوع، ما سبّب شرخًا على نطاقٍ محدود حول ضرورة المهادنة مع النظام للحصول على الغذاء وإنهاء الحصار.

ولكن لو نظرنا من جهة أخرى في القضية، بحسب الناشط الحقوقي، فإن الحرب في سوريا كما يعتبرها البعض هي بين الحق والباطل، فالنظام لن يتوقف عن قصف المناطق الخارجة عن سيطرته، سواء كان فيها مسلحون أم خلت منهم، ويرى آخرون أنه حتى لو دخل تلك المناطق فسيبيدها بسياسة القتل والتدمر والسرقة، وهذا ما حصل في كثير من المناطق السورية ولعل مدينة حمص أكبر مثال.

ولم يحصر أبو عدنان ما ذكره كمؤثر وحيد على أهداف الثورة، بل تحدث عن أسباب تتعلق بالفقر والبطالة التي غزت كافة شرائح الشعب السوري، “فالذي كان  في وقت سابق يخزن قليلًا من المال للحالات الطارئة استنزف ما لديه، وأصبحت أعداد كبيرة من السوريين وخاصة الشباب بلا عمل، ناهيك عن غلاء الأسعار، وهذا ما جعل الكثيرين يبتعدون عن الثورة، منشغلين في تأمين لقمة عيشهم”، مضيفًا “أعرف الكثيرين ممن اضطروا لترك القتال والتوجه إلى لعمل المدني لتأمين حاجة عوائلهم وتلبية متطلبات الحياة”.

ولفت أبو عدنان إلى أن “بعض المقاتلين في صفوف المعارضة وخاصة في الفصائل التي تمنح رواتب أكثر من غيرها، انضموا للقتال بحافز تأمين العيش أكثر من دافع الثورة والقتال والدفاع عن أهلهم، وبالمقابل لا يمكنك أن تظلم الجميع فالأمر يعتبر تناسبًا، فلا يمكنك أن تقاتل إن لم تؤمّن لقمة عائلتك وأطفالك”.

طول المدة وظهور تنظيمات جديدة

ورغم أن بعض الثوار توقعوا في البداية ألا يطول أمد الثورة، بعد مقارنتها مع مثيلاتها في مصر وتونس وليبيا، إلا أن ناشطين ومحللين اتفقوا على أن الأسد جهز نفسه للحرب، وبالتالي فإن إسقاط النظام يتطلب الكثير من العمل والجهد.

طول المدة أفرز عشرات الفصائل والمسميات، وفق سارة النجار، وهي مدرّسة تاريخ نازحة من مدينة حماة إلى ريف إدلب، واعتبرت أن ظهور جهات في الصراع السوري، كتنظيم “الدولة الإسلامية” كان له أثر سلبي كبير على الثورة، معتبرةً أنه سلب من الثورة مناطق كبيرة وفتح ضد الشعب السوري جبهات قتال جديدة.

ووصفت النجار ما نفذه التنظيم بـ “الفتنة الحقيقية”، مشيرةً إلى أن “تبنيه لقضية الإسلام، حسب زعمه، جعل الكثير ينجر في طريقه، فالشعب السوري مسلم في النهاية، رغم أنه كُشف بعد فترة من نشوئه واكتساحه الأرض السورية”.

ولفتت مدرّسة التاريخ إلى فئات أخرى ظهرت في الساحة السورية، ومن ضمنها قوات “سوريا الديمقراطية”، التي ترى أنها “تكاد تقاتل في صفوف النظام، بينما هناك غيرها الكثير ممن يسيء إلى سمعة الثورة، وهذا ما جعل الشعب السوري يسأم من الوضع”.

كل هذه الأسباب، كانت كفيلة لتجعل الشعب السوري في حالة من التخبط، وغياب هدف واضح، بحسب العديد من الناشطين والمواطنين ممن التقتهم عنب بلدي، ورأوا أن الوضع يميل في الوقت الراهن إلى أمنيات من بعض شرائح المجتمع بانتهاء الحرب رغم موقفهم الثابت من نظام الأسد. بينما يصرّ كثيرون حتى الآن على أن الثورة ستنتصر راجين تحولًا جذريًا قريبًا يحقق ما خرجوا من أجله، متمثلًا بعبارة “الشعب يريد إسقاط النظام”.

تابعنا على تويتر


Top