كيف تجنبت الاستثمارات السورية في بريطانيا ارتدادات الـ “BREXIT”؟

السياسات الاقتصادية بين سوريا وبريطانيا وسط التقلبات والأزمات 

Britain.jpg

قصر وستمنستر، مقر مجلسي برلمان المملكة المتحدة (إنترنت

عمر الحلبي – عنب بلدي

حين قدِم المدير التنفيذي لمنظمة التجارة والاستثمار البريطانية، أندرو خان، إلى دمشق عام 2010 للمشاركة في إطلاق مجلس رجال الأعمال السوريالبريطاني المشترك، كان يعتقد، ومعه أكثر من 50 رجل أعمال ومستثمرًا في مجالات مختلفة، أن سوريا أرض خصبة وبيئة جاذبة للاستثمارات البريطانية ويمكن أن يكون لهم حصة الأسد في مشاريعها بالتماشي مع تحوّل سوريا إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، بعدما أصبح الاقتصاد الاشتراكي من الماضي في عهد رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

ودعا خان، خلال إطلاق المجلس، إلى العمل بجدية من أجل إنجاح هذه المبادرة مع تطلعات مشتركة إلى زيادة حجم التجارة والاستثمار بين البلدين، وقال “نحن نعرف المنتجات السورية الجيدة في مجال النسيج والأقمشة، كما يوجد لدينا الكثير من الطلاب السوريين في بريطانيا ونأمل في أن يدفع هذا المجلس العلاقات الثنائية إلى مستويات أفضل”.

الرغبة البريطانية بتنويع وتعزيز الاستثمارات في سوريا، جاءت متأخرة وبعد تحسن علاقات دمشق ولندن، ولم تكن بالمستوى الذي يطمح إليه رجال الأعمال السوريين، والذين بادروا إلى فكرة إطلاق المجلس، وهم من سعى إلى دعوة البريطانيين للاستثمار في سوريا رغم الإمكانيات الضخمة التي تملكها سوريا في مختلف المجالات، وذلك بسبب “برودة” الجانب البريطاني وعدم تحمسه لإطلاق مشاريع في سوريا في حقبة الأسد الأب وبعدها في زمن نجله، لأسباب عديدة، منها العقوبات الأمريكية التي جعلت أصحاب رؤوس الأموال يشككون في جدوى أي مشاريع على الأراضي السورية، والتي حدّت من دخول المصارف البريطانية الضخمة إلى سوريا خلال الفورة المصرفية التي شهدتها سوريا في الفترة بين 2005 و2010.

ومقابل ذلك بقيت الاستثمارات السورية في الاتجاه الآخر، محدودة وتقتصر على عدة شخصيات سورية بريطانية، وتركزت في مجال العقارات والخدمات وبشكل محدود في القطاع المصرفي.

ضعف الاستثمارات السورية في بريطانيا، وغيرها من دول العالم، هو جزء من مشكلة كان يعاني منها الاقتصاد السوري، وهي الاندماج مع الاقتصاد العالمي، وعدم السماح بكشف الأسواق المحلية على الشركات والمستثمرين الأجانب، كان هذا جزءًا من السياسة الاقتصادية المرتبطة بشكل أساسي بالقرار السياسي.

وبنتيجة هذه العلاقة، والتأخر في تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات في الجانبين، بقي حجم التبادل بين سوريا وبريطانيا ضعيفًا، وأصبح حجم المستوردات السورية في مستويات دنيا أقل من 150 مليون جنية، والصادرات بحوالي 40 مليون جنيه، وفق ما أعلن عنه رئيس مجلس الأعمال السوري- البريطاني، نشأت صناديقي.

الاستثمارات السورية في بريطانيا

في الوقت الذي بدأ البريطانيون يتحسسون فيه فائدة الاستثمار في سوريا، وشرعوا بوضع خطط وتسهيلات لتعزيز الاستثمارات السورية، اندلعت الثورة السورية وقطعت بريطانيا مع بقية دول الاتحاد الأوروبي علاقاتها مع دمشق، وأصبحت خطط التطوير “معلقة” على أمل أن يحل الصراع السوري سياسيًا، ويستأنف تطوير الخطط.

وفي ذلك الوقت استمرت الاستثمارات السورية في بريطانيا، وهي التي أسسها رجال أعمال معروفون، وكانوا قد مهّدوا لعلاقات بين بريطانيا وسوريا قبل العام 2011 وأسسوا استثمارات كبيرة هناك، وتركزت استثماراتهم في مجالات النفط والعقارات والبنوك، لكنها بقيت “صغيرة ومحدودة”، كما يقول الباحث الاقتصادي، محمد حسام حلمي، مقارنة برؤوس الأموال، والاستثمارات العربية، وبالذات الخليجية، والتي تقدر بحوالي 250 مليار دولار وأغلبها في مجال العقارات، حيث يشكل وسط لندن أهم وجهة استثمارية لرجال الأعمال من الإمارات العربية المتحدة وقطر.

وأثار تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي (BREXIT)، تساؤلات عديدة حول مصير الاستثمارات العربية في بريطانيا ومنها السورية، وكيف ستتأثر على المدى المنظور، لكن وبسبب عدم “اليقين السياسي” في بريطانيا إزاء مستقبل البلاد، تبقى الأجوبة في إطار التنبؤات غير المحسومة، وربما يكون تأثير الخروج البريطاني من المجموعة الأوروبية ضعيفًا على هذه الاستثمارات بسبب حجمها، وعدم تركزها في مجال محدد، كالعقارات التي تستهوي الأموال الخليجية بنسبة كبيرة.

يرى الباحث حلمي أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيتم مرحليًا ولمدة سنتين، وهذا ما يخفف من وقع تأثر الاستثمارات بأي ارتدادات سياسية. وسيكون لخروج بريطانيا آثار مباشرة على المدى القريب، مثل انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني بسبب حالة عدم الاستقرار التي تسود أسواق المال وقطاع الأعمال، بالإضافة إلى خروج عدد من الاستثمارات المباشرة.

تأثير على الاحتياطي المركزي السوري

مصرف سوريا المركزي ربط الليرة بوحدة حقوق السحب الخاصة (SDR) وفك ارتباطها بالدولار، ويشكل الجنيه الإسترليني أحد مكونات وحدة الحقوق إلى جانب اليورو والين الياباني والدولار الأمريكي، لكن وبعد خمس سنوات من الصراع، تشير أرقام صندوق النقد الدولي إلى أن المركزي السوري استهلك المخزون الاحتياطي البالغ 18 مليون دولار تباعًا، وبالتالي لم يعد لتراجع الإسترليني عالميًا أي تأثير على الاحتياطي السوري، المقوّم بالدولار والمرتبط بحقوق السحب الخاصة، والذي يشارف على النضوب.

وفيما يخص الاستثمارات العربية، ومنها السورية التي دخلت بريطانيا بسبب الحروب في الشرق الأوسط، “لا يوجد أي توقع حاليًا عن فيما إذا كانت ستزيد هذه الاستثمارات أم تنخفض بعد مرحلة الخروج”، بحسب حلمي.

وأضاف الباحث ستنشأ آثار على المدى الطويل، على كل الاستثمارات الأجنبية، “لأن هناك مخاوف من انحسار النمو في بريطانيا نتيجة التغيرات المتوقعة فيما يخص اتفاقيات التجارة وحرية التنقل وحركة المبادلات التجارية، وفي المقابل يتوقع مؤيدو الخروج (من الاتحاد الأوروبي)، بأن يوفر ذلك فرص عمل أكثر ويؤدي إلى خفض مستوى البطالة بعد خروج العمالة الاوروبية”.

حجم الخسائر غير معروف

الصحفي الاقتصادي سمير الطويل، أوضح لعنب بلدي أن سياسة رجال الأعمال السوريين في تنويع استثماراتهم وعدم تركيزها في بلد محدد، جنبتهم الخسائر وتبعات الأزمات مهما كانت أسبابها، وفي حالة بريطانيا وبسبب عدم وجود رقم لحجم الاستثمارات السورية هناك، يبقى قياس حجم الخسائر مجهولًا. لكن ورغم الخسائر التي سيمنى بها الاقتصاد البريطاني، ستستمر بريطانيا بالمحافظة على علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى في العالم، مشيرًا إلى أن التأثيرات ستكون على الاستثمارات في مجال العقارات والبورصة، ولن يكون هناك تأثيرات كبيرة على التبادل التجاري بين بريطانيا والعالم.

ويرى الطويل أن الاستثمارات السورية “الحقيقية” في بريطانيا، سواء كانت في مجال العقارات أو البورصة سينالها تأثير بشكل أو بآخر، كونه لا توجد مجالات استثمارية أخرى للسوريين في مجالات الصناعة والزراعة.

طبيعة الاستثمارات في بريطانيا 

مع اندلاع الثورة السورية، فرض كل من الاتحاد الأوروبي وأمريكا عقوبات مشدّدة على النظام السوري، وبطبيعة الحال تضررت علاقة الاتحاد مع سوريا بشدة، ومن المعروف أن سوريا هي الشريك التجاري الأول للاتحاد في المنطقة، وكانت تشكل الصادرات السورية إلى دوله بما يشكل 50% من إجمالي الصادرات، وكان قطاع النفط هو المستفيد الأول من توجه نحو 40% من صادرات نفط سوريا الخام إلى ألمانيا وإيطاليا، لكن مع فرض العقوبات تبخرت الأرقام وتوقف كل شيء.

ورغم محدودية المشاريع البريطانية في سوريا، وتواضع أرقامها، إلا أنها كانت بمثابة أرقام مهمة في سجل الاستثمارات الأجنبية في سوريا، وجلها كانت في مجال النفط، مثل شركة “غلف ساندز بتروليوم”، وشركة “شيل- سوريا” لتنمية النفط، ومشروع “انترادوس” في طرطوس والعديد من شركات النقل والخدمات والبنية التحتية التي تنفذ مشاريع في سوريا عبر تعهدات أو مشاركات مع مشغلين محليين.

وقد استشعرت الحكومة السورية وقتها ضرورة تعزيز أرقام الاستثمارات البريطانية، انطلاقًا من رغبة مشتركة لدى الجانبين في تحسين العلاقات الاقتصادية، فوضعت الخطة الخمسية الحادية عشرة، قبل تطبيق العقوبات، في وزارة الصناعة خططًا استراتيجية هدفها زيادة نسبة الصادرات السورية المصنعة بمقدار 10% على أساس سنوي، وجذب 50 مليار ليرة (الدولار = 50 ليرة حينها) في مجال الاستثمارات الصناعية لخلق 50 ألف فرصة عمل سنويًا.

وأزاحت الوزارة العقبات التي تعيق العمل وتشجع الشراكة مع القطاع الصناعي الخاص، وفتحت حيزًا أمام البريطانيين للاستثمار في مجالات الطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والنسيجية والكيميائية والدوائية، لكن هذه الخطط “المشجعة” على الاستثمار سرعان ما ذهبت أدراج الرياح مع اندلاع الثورة وعزوف المستثمرين ومعهم رؤوس الأموال عن القدوم إلى سوريا لأنها أصبحت دولة غير آمنة.

تابعنا على تويتر


Top