إيران «والسورنة»!

أسعد حيدر – المستقبل اللبنانية

هل تنزلق إيران نحو «السورنة»؟

سؤال شرعي ومشروع، حتى لو كان جارحاً. منذ قمع «الانتفاضة الخضراء» قبل سبع سنوات، ردد النظام الايراني، أن ضرب الفتنة بقسوة، جرى لمنع إشعال «النار» داخل البلاد، وعندما بدأ «الربيع العربي» مزهراً، ثم «أكلته» النيران، وتحوّل الى مسلسل من الحروب الأهلية والدمار، أعلن قادة النظام الإيراني وعلى رأسهم المرشد آية الله علي خامنئي، «أن تدخل إيران في دول الجوار هو لإبعاد المواجهات عن الحدود الايرانية وداخلها«. باختصار ابعاد شبح «السورنة» بالحرب في سوريا والعراق واليمن ولبنان (حرب باردة في اشغال اللبنانيين بالفراغ حتى اليأس وقبول ما يطالب به حزب الله).

نظام الولي الفقيه، لم ينتبه الى أمرين وهو منشغل في ارسال المقاتلين الى سوريا والمستشارين الى العراق واليمن:

[لا توجد دولة في الشرق الأوسط لا تكمن فيها «فيروسات القومية والمذهبية والفوارق التنموية الجهوية. لذلك فإن التعامل مع هذه «الفيروسات» في المنطقة وكأنها محصنة من الاصابة، يمكن أن يستمر فترة زمنية مهما طالت، فإنها في النهاية ستسقط أمام أي اختراق لأنه لا يوجد «لقاح» يقيها الإصابة به. توجد في إيران بؤر خطيرة وأخطر ما فيها أنها تشكّل «بوابات» حدودية مفتوحة على قضايا قومية ومذهبية في دول مجاورة، مما تؤدي إصابة «بؤرة» واحدة الى عدوى قاتلة، في إيران منطقة كردية وثانية عربية في خوزستان (عربستان الأهواز) وثالثة في بلوشستان المحاذية لبلوشستان الأفغانية والباكستانية. منذ سنوات والمناطق الثلاث تعيش على وقع «زلازل» خفيفة لكن متواصلة. الآن وقد اشتعلت مناطق كردستان في سوريا وتركيا وبوجود كردستان العراق، عادت كردستان إيران الى التحرّك والمواجهات العسكرية ولو المحدودة. أما في بلوشستان فقد مضت عدة سنوات على وجود أعمال عسكرية وُصفت دوماً بأنها إرهابية. أما في الأهواز فإن الشعور القومي العربي زائد التخلف الاقتصادي رغم أن المنطقة هي التي تنتج أكثرية النفط الايراني (المرشد خامنئي زار قبل مدة قصيرة المنطقة ووعد السكان بالتنمية بعد أن اعترف بتخلّف منطقتهم اقتصادياً وتنموياً) تشكل برميل نفط قابلاً للاشتعال في أي لحظة. بدورها بلوشستان تشهد تصعيداً غير مسبوق في المواجهات المسلحة، وعندما يعترف وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي بأنه «تم اعتقال أربعين عنصراً كانوا يعملون لمهاجمة مركزين عسكريين وأمنيين، بعد حفر نفق طوله أربعون متراً بعمق عشرين متراً، يعني أن المواجهات تجاوزت العمليات المحدودة سابقاً.

*ان «صبّ الزيت على النار الكامنة أو المشتعلة»، عملية سهلة وكلفتها بسيطة، خصوصاً إذا ما طبّقت الأساليب المعمول بها من الطرف الآخر. إتهام إيران للسعودية بتغذية الناشطين في هذه المناطق الثلاث، لا يضير السعودية، خصوصاً بعد أن قررت «الحسم» والمواجهة. لكن مثل هذه الاتهامات لا تحل شيئاً، بالعكس توسع دوائر المواجهات وتهدد بتحوّل المواجهات بالوكالة الى مواجهات مباشرة.

الجنرال محمد جعفري كان قد هدد سابقاً أمام اجتماع لقادة «الحرس» بإمكانية «وقوع حرب مع دولة أو دول عربية». مثل هذه «الحرب» إن وقعت فلن تحلّ شيئاً.

إيران تعتقد أن الثورة حلّت المشاكل القومية والمذهبية. لكن عندما تتراجع الثورة أمام الدولة، ولا تعمل الدولة على حل مشكلات التنمية والعدالة الاجتماعية ولا حتى حق المشاركة (لا يوجد وزير سني حتى قبل الثورة وبعد جهد شخصي من الرئيس حسن روحاني تمّ تعيين أوّل سفير كردي سني) فإن الانفجار الشعبي لا بدّ أن يقع.

أخطر ما في انزلاق إيران نحو «السورنة»، أن الكلام عن رسم حدود جديدة في المنطقة بعد اسقاط اتفاق سايكس-بيكو، لن يرحم أحداً، وليس بالضرورة أن تقسم دول المنطقة وإن كانت مثل هذه الفرضية قائمة. الأهم أن الدول الموجودة لن تبقى كما كانت في السابق. حتى لو بقيت سوريا موحدة فإن سوريا التي نعرفها انتهت على جميع الصعد، الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. والعراق كذلك.

لذلك كله، فإن انزلاق إيران نحو «السورنة»، يشكّل سقوط «الحلقة» الصعبة، ويصبح مصير كل الدول من أفغانستان الى الجمهوريات الاسلامية السابقة في الاتحاد السوفياتي، وصولاً الى تركيا فالعراق وغيرها، معلقاً وسط المجهول. ما سيحصل أن هذه الدول ستغرق في الفقر وعدم الاستقرار، والأسوأ، أن تقع هجرة عفوية أو منظمة «للعقول»، فتنتهي منطقة الشرق الأوسط وإن بقيت جغرافياً.

لا يكفي أن تصرح ايران وكل الدول المعنية ان المنطقة تتعرض «لمؤامرة» خارجية. هذا هو أهون الحلول للتخلص من المسؤولية التاريخية. ما زال أمام الجميع، خصوصاً ايران، الوقت للعودة الى الوراء، ومعالجة الأخطار في العمل لإطفاء النار. مسؤولية ايران أكبر من الآخرين، لأنها هي التي بدأت بإشعال «النار»، سواء للتمدد ولقيام «إيران الكبرى»، أو «الهلال الشيعي» أو للضغط على الدول الكبرى خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية في المفاوضات النووية.

اللعب بالنار خطير، خصوصاً إذا جرى ذلك في منطقة مليئة ببراميل النفط والبارود!

تابعنا على تويتر


Top