مراصد اتصالات ومقاهي إنترنت وبث فضائي تصل السكان بالعالم الخارجي

أهالي ريف حمص الشمالي يبتكرون تقنيات اتصالية لكسر الحصار

homs.jpg

شاشة جهاز خليوي في حي الوعر تظهر انقطاع شبكات الاتصالات الرئيسية "سيريتل" و"MTN" (عنب بلدي)

بقي الريف الشمالي الواقع تحت سيطرة المعارضة بلا اتصالات منذ خمس أعوام، حيث عمد النظام إلى تطبيق سياسته في إبقاء المناطق الخارجة عن سيطرته بعيدة عن الاتصال قدر الإمكان، لكن التقنيات التي امتلكها أهالي الريف جعلت التواصل الداخلي والخارجي أمرًا متاحًا للجميع مما أفشل خطط النظام.

القصف يدمّر أبراج التغطية الحكومية

استمرت الاشتباكات بين طرفي النزاع على مدى الأعوام السابقة، ما جعل الاتصالات في البداية أمرًا صعبًا، حيث قامت قوات النظام بقطع الاتصالات الأرضية عن قرى ومدن الريف الشمالي منذ خمسة أعوام، فيما كان القصف العنيف الذي يستهدف البلدات بشكل شبه يومي كفيلًا بأن يخرج أبراج التغطية عن الخدمة.

برج اتصالات على سطح بناء في حي الوعر (عنب بلدي)

برج اتصالات على سطح بناء في حي الوعر (عنب بلدي)

يوسف أبو يعقوب، الذي يعمل كناشط إعلامي، ويراسل وكالات عالمية، وبحكم عمله وحاجته الماسة للإنترنت ووسائل الاتصال، يشرح لعنب بلدي كيف ساهم التضييق وأعمال القتال في تعطيل الاتصالات، وكيف اعتمد هو وزملاؤه وعدد كبير من المواطنين في المنطقة على بدائل، “تعطلت شبكات الهاتف الأرضي منذ خمس سنوات، كما تعطلت كافة أبراج التغطية بسبب القصف الهمجي الذي استهدف البلدات بشكل شبه يومي، وهذا ما جعلنا نعتمد على الشبكات المتوفرة في البلدات المجاورة والواقعة تحت سيطرة النظام رغم الضعف الشديد الذي طال الشبكات، كما أننا لجأنا الى استخدام هواتف الثريا التي تعمل على الأقمار الصناعية، إضافة إلى الأنيمر سات واللاسلكيات”.

دخول أجهزة الإنترنت الفضائي إلى مناطق الريف كان أمرًا حاسمًا، وصب في صالح السكان المحاصرين رغم ارتفاع سعره، “كنا نقتني أجهزة الإنترنت الفضائي من نوع “2 way” بسعر حوالي 1100 دولار أمريكي، وبعد عامين انخفض سعرها إلى نحو 800 دولار، فيما بلغ سعر الجهاز من نوع “هيوز” نحو 1200 دولار، وبالرغم من غلاء أسعار الأجهزة إلا أن وجودها كان ضروريًا وحتميًا في ظل انقطاع شبه تام عن العالم الخارجي”.

ثلاثة مراصد تصل المؤسسات والناس ببعضها

تعتبر المراصد من أقوى التقنيات في الريف الشمالي، إذ قامت قوات المعارضة بتطويرها طيلة الأعوام الماضية كبديل لا بد منه، فتم تجهيزها العام الماضي بشكل شبه متكامل لتخدم كامل أنحاء الريف الحمصي.

وتعرّف المراصد بأنها مراكز اتصالات على شكل “غرف تحكم”، تغطي مناطق الريف الشمالي بأكمله، ويديرها مجموعة عناصر يتمركزون في أطراف كل منطقة، مهمتهم مراقبة حركة الطيران وتحديد أماكن استهدافها للمناطق، وتبليغ المراكز المسؤولة التي تحتوي على أجهزة ومحطات استقبال، كما يعتمد بعضها على المناظير، لرصد حركات قوات النظام العسكرية على الحواجز المتاخمة للقرى.

وتعتبر المراصد من أهم طرق التواصل الحديثة بين مقاتلي المعارضة على الجبهات، كما تحتوي على ترددات خاصة، مدنية وعسكرية، بحسب الناشط الإعلامي، مهند بكور، الذي يقول إن التنسيق بين قوات المعارضة يتم عن طريق المراصد الخاصة بالجبهات، “تحتوي منطقة الحولة مثلًا على ثلاثة مراصد تسمى بمرصد الـ44 و مرصد الـ72 ومرصد عقرب، وتحتوي هذه المراصد على أجهزة ومحطات مجهزة”.

تشفير التواصل لمنع تنصت النظام

مهمة المراصد العسكرية، مراقبة تحركات قوات النظام وإبلاغ الجبهات بها، ومعرفة مراحل تقدم قوات النظام أثناء الاقتحامات، وعدد القوات، لاتخاذ الإجراءات اللازمة. ويحتوي كل منزل في منطقة الحولة حاليًا على جهاز لا سلكي يمكّن المدنيين من التواصل فيما بينهم عبر ترددات خاصة، كما يرتبط اللاسلكي (القبضة) بأحد المراصد ويتم من خلاله تلقي معلومات تحذر المدنيين في حال القصف، وتعلمهم بوجوب أخذ الحيطة والحذر، كما تقوم أيضًا بالتواصل مع المؤسسات العاملة في المنطقة من خلال رموز خاصة تمتلكها كل منها، كفرق الدفاع المدني التي تقوم المراصد بتوجيهها لأماكن القصف المحددة، إضافة إلى إعلام المشافي الميدانية بوجوب استعدادها لتلقي جرحى الغارات والقصف، وتحديد مدى الإصابات لإحضار الأطباء المختصين.

كابلات اتصالات في مقسم هاتف في حمص (عنب بلدي)

كابلات اتصالات في مقسم هاتف في حمص (عنب بلدي)

 

تواجه المراصد صعوبات عديدة لمنع اختراقها من قبل قوات النظام، وتعتمد بشكل رئيسي على خطة “تبديل الترددات” باستمرار، منعًا لأي محاولة، ويعمل المرصد الواحد على 15 ترددًا مختلفًا، وفي حال سعت المعارضة للقيام بأي عمل عسكري، يعمد المرصد إلى استخدام ترددات “مشفرة” يصعب اختراقها، وتبدل سريعًا في حال الاختراق، كما يقول مدير أحد المراصد في الريف الشمالي.

صالات إنترنت 24 ساعة

إلى جانب المراصد، التي يقتصر عملها على التوعية والتحذير وتوجيه كوادر الإسعاف والخدمات العامة والفصائل العسكرية، انتشرت في الريف الشمالي صالات الإنترنت بكثرة في الآونة الاخيرة، حيث بلغ عدد المقاهي في الريف الشمالي نحو 150 مقهى، يتوزعون على كافة القرى والمدن.

أنور أبو الوليد، مراسل صحفي ميداني، قال لعنب بلدي “تمكنا من وضع حد لمشكلة الاتصالات عبر افتتاح مقاهي إنترنت خاصة (coffe net) تتوزع في قرى الريف الشمالي، وتحتوي هذه المقاهي على أجهزة إنترنت فضائي ومحطات تقوم بالتقاط الإشارة وبثها حسب استطاعتها، وتتمكن هذه الأجهزة من بث الإنترنت في الشوارع، ما يجعل التواصل متاحًا للجميع وبتكلفة غير باهظة، إذ لا يتجاوز سعر الغيغا بايت الواحد دولارًا واحدًا”.

وبحسب سكان ومواطنين في الريف الشمالي لمدينة حمص، فإن هذه الصالات خففت من الأعباء المادية التي كانوا قد واجهوها في أيام سابقة، في ظل ارتفاع تكلفة تفعيل أجهزة الإنترنت. يقول أحد المواطنين لعنب بلدي “كنا نضطر لدفع أموال طائلة كي نتمكن من الاستمرار في العمل، وهذا الأمر كان سيئًا للغاية ويكبدنا نفقات كبيرة، أما اليوم فنستطيع قضاء ساعات في المقهى دون تكلفة تذكر، كما أننا نستطيع إنجاز أعمالنا في أي وقت، فهذه المقاهي تعمل على مدى 24 ساعة، كما أنها مزودة بمولدات كهربائية وبطاريات لتعمل في وقت انقطاع الكهرباء”.

بث من إدلب إلى حمص

دخل جهاز “الإنترنت الضوئي” التركي إلى منطقة ريف حمص بعد عشرة أشهر من تحرير مدينة إدلب، والذي تبلغ سرعته 100 ميغا في الثانية الواحدة، فيما تبلغ سرعته في أسوأ الأحوال 20 ميغا في الثانية، وهو ما حفّز المواطنين على شرائه واقتنائه، بحسب خبير الاتصالات، محمد الكنج، الذي قال لعنب بلدي “يعتبر الجهاز الضوئي التركي من أفضل الأجهزة اليوم على الإطلاق، إذ يمتاز بسرعته وقلة تكلفته، ويبلغ سعر الغيغا الواحد دولار تقريبًا، ما يجعله الأرخص سعرًا والأفضل أداءً على الإطلاق، ويتكون الجهاز من جهاز (نانو) وجهاز مقسم، وصحن مستقبل، وصحن إرسال مقره إدلب، ويعتمد حجم الصحن على المساحة المراد تخديمها، إذ يكبر بكبرها ويصغر بصغرها”، مشيرًا إلى أن أهالي الريف اعتمدوا على هذا الجهاز كبديل عن كافة الأجهزة السابقة، مثل 2 way و”الدايركت”، كونه أقل تكلفة ويستطيع أي شخص متوسط الدخل اقتناءه في منزله، في وقت بلغ فيه سعر جهاز 2 way وجهاز الهيوز الفضائيين نحو 200 دولار للواحد.

ندرة أجهزة الحاسوب

توافر الإنترنت عبر الفايبر الضوئي من تركيا، ورخص تعرفة الاشتراك به، أطاح بأسعار أجهزة الإنترنت الفضائي الأخرى، وتزامن هذا مع توافر أجهزة الخلوي، وبكثرة، وبأسعار مقبولة، وبالنسبة لبقية الأجهزة والمعدات الأخرى، يبلغ سعر شريحة الموبايل (SIM) ألفي ليرة، فيما تندر أجهزة الحواسيب وقطع تبديلها، وفق أصحاب محلات لبيع أجهزة الاتصالات.

ومنذ عام تقريبًا لم يتمكن التجار ولا المواطنون من إدخال أي جهاز كومبيوتر إلى منطقة الريف الشمالي، وهذا ما جعل السكان يستبدلون القطع التالفة بأخرى مأخوذة من أجهزة عاطلة عن العمل، لتتعطل هي الأخرى وتصبح الأجهزة خردة لا لزوم لها.

تابع قراءة ملف: سوريا “خارج التغطية”

انقطاع الاتصالات في مناطق المعارضة وبداية رحلة البحث عن بدائل

تقهقر المعارضة يقوّض خطط وزارة الاتصالات وينهي أهم مشاريعها

كيف يتم تزويد حلب وريفها بالإنترنت عبر “هوا نت”؟

أسواق إدلب الحرّة المورّد الأول للاتصالات ومعداتها في شمال سوريا

أهالي ريف حمص الشمالي يبتكرون تقنيات اتصالية لكسر الحصار

الاتصالات في حي الوعر الحمصي.. صعوبة في التواصل وغلاء في الأسعار

شلل الأبراج الخلوية في درعا واللصوص يسرقون كابلات الهاتف

شبكات الخلوي الإسرائيلية تغطي جنوب سوريا.. كيف تدخل؟

الحسكة.. ضرائب عالية وخدمة حكومية سيئة بسبب “الفلتان الأمني”

انتعاش تجارة الأنفاق وتحوّل الاتصالات إلى باب للمعيشة

حكومة النظام ترفع أسعار الاتصالات على جرعات تحت ضغط شركات الخلوي

بسبب ضخامتها.. توقف عداد خسائر قطاع الاتصالات السوري

وزير الاتصالات السابق: رفضتنا الفصائل العسكرية لأسباب نفسية

لقراءة الملف كلاملًا: سوريا خارج التغطية.. النظام يدمّر قطاع الاتصالات في المناطق المحررة

تابعنا على تويتر


Top