جيش اﻷسد في أنقرة

أحمد الشامي

الحدث التركي الجلل هو تطور تاريخي حاسم يندرج في ذات السياق الذي أنتج الثورة السورية وربما يكون في طريقه ﻹنضاج انقلاب شامل في المنطقة.

ما علاقة الانقلاب التركي الفاشل بالربيع السوري؟

الطريقة التي تعامل بها الانقلابيون مع شعبهم عمومًا ومع مناصري “أردوغان” خصوصًا تتطابق مع سياسات جيش اﻷسد تجاه السوريين، كقوة احتلال غاشمة وفتاكة.

في تركيا تآمر مئات من الضباط، ومعهم آلاف من العسكريين ورجال اﻷمن والقضاة، بمن فيهم قادة جيوش وقادة القوات الجوية وخفر السواحل وغيرهم، على النظام الديمقراطي في بلدهم. حاول هؤلاء “احتلال” أهم مدينتين في بلادهم وقصفوا مبنى البرلمان وأطلقوا نيران الدبابات على المحتشدين على جسور”البوسفور” تمامًا كجيش الاحتلال اﻷسدي.

الجنود الذين اتجهوا إلى مقر إقامة “أردوغان” قتلوا اثنين من حرسه وكانت لديهم أوامر بقتل الرئيس، الذي وصل إلى السلطة بشكل ديمقراطي، وهي جريمة موصوفة، أيًا تكن مآخذنا على الرجل وأيًا تكن أخطاؤه.

الطيار الذي قصف البرلمان  ليس معتوهًا ولا مهووسًا منعزلًا يقود شاحنة ويقوم بدهس المشاة عشوائيًا، هذا الطيار تربى في أرقى المدارس العسكرية وخضع لدورات تدريب وفحوص طبية ونفسية. العسكريون الذين أطلقوا النار كلهم يدركون أن من يقتلونهم هم “مواطنوهم” وهؤلاء الانقلابيون ليسوا من “المغرر بهم”، إنهم من نخبة الجيش “الكمالي”.

لماذا انقلب هؤلاء على “شعبهم”؟

في تركيا “الكمالية” هناك عقيدة اسمها “العلمانية” وهي أصولية لا تختلف كثيرًا عن عقائدية “البعث”.

العلمانية ليست كما يصورها الكماليون والمتطرفون كعداء مطلق للدين وانفصال كامل عن التاريخ والعقيدة، فالعلمانية تعني فصل الدين عن الدولة والاعتماد على العلوم الموضوعية وليس على الغيبية.

مثل حزب البعث اﻷسدي وجيشه “العقائدي” هناك جيش “عقائدي” في تركيا، وكما تصرف الجيش السوري كجيش العصابة اﻷسدية، تصرف انقلابيو تركيا كجيش العقيدة “الكمالية”. كجيش “بعثي” دون “البعث”!

كان من الممكن أن ينتج عن انقلاب اﻷسبوع الماضي “حافظ أسد” تركي في أسوأ اﻷحوال أو “سيسي” في أحسنها! اﻷسد التركي كان سيحرق في النهاية تركيا تمامًا كما أحرق الوريث اﻷخرق سوريا.

لماذا فشل الانقلابيون رغم عنفهم ورغم الدعم العالمي واﻹقليمي لهم؟

العسكري والشعب التركيان هما اللذان صنعا الفرق، فاﻷتراك الذين ذاقوا طعم الحرية والرخاء لا يريدون العودة أذلاء تحت البوط العسكري ولا يريدون تسليم رقابهم ﻷفاقين يدعون حماية الحرية والديمقراطية وهم بعيدون عنهما بعد السماء عن اﻷرض.

العسكري التركي الشريف الذي رأي بأم عينه معنى أن يتحول جيش “وطني” إلى عصابة مافيا من السفاحين، ىرفض أن يتحول إلى قاتل أجير لحساب ضباط فاسدين، عملاء وخونة.

في النهاية، فالجيش النخبوي “الكمالي” هو نسخة منقحة و”أطلسية” عن جيش اﻷسد، وكما خدمت  فكرة “العروبة” العنصرية والغائمة، صعود اﻷقليات الدينية والعسكرية إلى سدة الحكم في العالم العربي، كانت “العلمانية الكمالية” هي الأيديولوجيا التي امتطتها أقليات مشابهة، لكن في “تركيا”، لمصادرة قرار اﻷغلبية السنية وإغراق هذه اﻷغلبية في مماحكات ومشاريع لا عقلانية.

هكذا يزدهر “الاستحمار” ويتمكن أفراد اﻷقليات من مصادرة وعي اﻷغلبية بذاتها، في حين يحتفظ أفراد اﻷقليات بوعيهم بذاتهم وبمصالحهم، هذا بحسب ما أوضحه الراحل “ميشيل سورا”، الذي اغتاله نظام اﻷسد لمجرد تفوهه بهذه الحقيقة.

هذا ما يفسر فرح زبانية اﻷسد بالانقلاب “الكمالي” ويجعلنا نفهم حقيقة أن الصراع في “تركيا” هو استمرار للصراع الدائر في سوريا، بين أغلبية سنية مغلوب على أمرها تريد “أقليات” عميلة إبادتها لصالح دوام “الهولوكوست” السني.

الصراع لم ينته بعد في تركيا، فهو قد بدأ للتو.

تابعنا على تويتر


Top