الانقلاب التركي والحل السلمي السوري

حذام زهور عدي

ما جرى في تركيا، سواء أكان تمردًا من مجموعات عسكرية صغيرة أم انقلابًا للجيش على السلطة المنتخبة ديمقراطيًا، فإن حجم الاعتقالات والاتهامات المقلق يعكس خوفًا من تنظيمٍ استطاع التسلل إلى مفاصل الدولة كلها.

وسواء أكان للتدخل الخارجي يد في التخطيط للانقلاب أم هو حركة محلية محضة دافعها الأساس مقاومة السياسة الأردوغانية، في تحييد الجيش وإبعاده عن شؤون الحكم، وعن مراقبة مدى تنفيذ علمانية القوانين، كما يقتضي الدستور الأتاتوركي، فإن الموقف الغربي كان ملتبسًا.

قد يكون بسبب ما ذهب إليه مركز “راند” الأمريكي المقرّب من أصحاب القرار هناك، من ضرورة التحالف الاستراتيجي مع الفهم الحداثي العصري للإسلام، ممثلًا بمنافس أردوغان وصاحب التشكيل الموازي “فتح الله غولن”، أو حرص “الناتو” على قوة الجيش التركي، باعتباره من الجيوش المهمة المعتمدة لديه في مواجهة الأطماع الروسية، ما يغلب الاهتمام بالديمقراطية التركية التي يؤيدها شكلًا معتقدًا أن إشراف الجيش التركي على قرارات سلطة بلاده لايتنافى مع الديمقراطية، التي وصل أردوغان وغيره لرئاستها بفضل ذلك النظام.

إن قراءة متأنية للاحتمالات السابقة تعكس العلاقة بين السياسة الأردوغانية وموقف المجتمع الدولي من الحل السياسي في سوريا، فتركيا قوة إقليمية عصرية ذات نفوذ لا يستهان به كقوة ناعمة كامنة في سوريا والعالمين العربي والإسلامي، وخاصة في القوس الجنوبي الشرقي لروسيا حتى الصين، من خلال العنصر التركي المنتشر هناك، ومن خلال جيشها الذي يُصنّف على أنه من أقوى الجيوش الإقليمية، إذ يحتلّ مرتبة متقدمة بين جيوش حلف الناتو، لذلك لا يمكن للدول المعنية بالحل السلمي السوري تجاهل مصالحها القومية في ذلك الحل، ومصالحها كما حددتها السياسة الأردوغانية ظاهرة ومستترة.

فأما السياسة الظاهرة فهي أولًا: غياب كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها الجنوبية، وهذا ما يتفق عليه الأتراك جميعًا مهما اختلفوا في التفاصيل أو أمور السياسة الأخرى، وثانيًا: إنهاء حكم الأسد الذي أظهر إمكانية لعبه بالأكراد وعلويي تركيا، ما يهدد الأمن القومي التركي مستقبلًا، وفي هذا يتفق الساسة الأتراك أيضًا لكن بمسافات ليست بعيدة فيما بينهم.

أما السياسة المضمرة فهي أولًا: الحرص على منع امتداد النفوذ الدعوي الإيراني في سوريا، مع فكرة تصدير الثورة التي يعتمدها ملالي إيران في سياسة حكمهم، لوجود تجمعات شيعية في تركيا، قد تُحولها السياسة الإيرانية إلى رأس حربة تضمن نفوذها من خلالها، رغم الاتفاقيات الاقتصادية الضخمة بين الدولتين.

وثانيًا ضرورة الاستقرار الأمني الذي يضمنه توازن القوى الداخلية والخارجية في سوريا، والذي يؤثر بالضرورة على الاستقرار التركي.

وثالثًا: الاهتمام بمصالح التركمان السوريين كقوة أمان للمصالح التركية الاستراتيجية في المنطقة، وبالمناسبة فإن عدد التركمان المستعربين وغير المستعربين في سوريا يكاد يقارب عدد أي أقلية أخرى مؤثرة.

تلك هي المصالح التي وقفت السياسة الأردوغانية عندها بثبات وعناد في مسألة الحل السياسي السوري، بينما تساهل ببعض جوانبها الانقلابيون وخاصة جماعة فتح الله غولن، رغبةً في إبعاد تركيا عن مشاكل المنطقة، ولا شك أن من أراد لسوريا حلًا يتساهل مع النظام الأسدي، لم يُخفِ امتعاضه من فشل الانقلاب التركي.

إن المداولات الخفية النشطة اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي بشأن رسم خارطة الحل السوري، والتي تسرّب بعضها إلى الدول الحليفة، كألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وأغلقت تقريبًا أمام الدول الأخرى، ستضع في اعتبارها مصالح الدول الإقليمية المؤثرة كتركيا وإيران والسعودية،.

وربما ما تُثيره الأجهزة الأمريكية والغربية عامة بين الفينة والأخرى كعامل ضغط على الدول الإقليمية مرتبط بإبعاد تأثيرها على الخطط المتداولة لسوريا، كتوجيه البرازيل اليوم التهمة لخامنئي بتفجير المركز اليهودي وطلب محاكمته، أو الحديث عن حقوق الإنسان والإرهاب في المملكة السعودية، وصولًا إلى تحريك الدعوى ضد رفعت الأسد في فرنسا، والتلويح بالجنائية الدولية لبشار، إضافة إلى السماح بنشر فضائحه لدوره في صناعة الإرهاب، ومن يدري ما إذا كان الانقلاب التركي وفشله يندرج ضمن هذا السياق.

من جهة أخرى لا أدري إن كانت الإشاعات الإيرانية حول عدم تمسك السياسة الإيرانية بشخص بشار، ونقلها كدليلٍ للقضية السورية من يد الحرس الثوري إلى وزارة الخارجية، من خلال إعفاء حسين أمير عبد اللهيان، مساعد جواد ظريف للشؤون العربية والإفريقية، والمعروف عنه أنه مهندس التدخلات الإيرانية في الدول العربية، ويد الخامنئي في الوزارة المرتبطة بالحرس الثوري، والمكلف سابقًا بالملف السوري. لا أدري إن كان له علاقة باستجابةٍ إعلامية أو حقيقية للتأشيرات الأمريكية، ولا أدري إن كان الرئيس أردوغان سيستمر بعد فشل الانقلاب على ثباته بالمطالب السورية أم سيقدم تساهلًا في هذا الشأن، أم سيكتفي ببعض التنازلات الداخلية ويزداد صلابة بمواقفه الخارجية أو العكس.

لكن بكل تأكيد ما يحدث في تركيا له علاقة وثيقة بالحل السياسي في سوريا، وبكل تأكيد الأيام ستكون الأيام المقبلة حُبلى بالتغيرات الإقليمية والعالمية التي يفرضها الملف السوري، كما لا شك أن كل ما يحدث في العالم المتوسطي، من ليبيا إلى مصر وفلسطين المحتلة وتركيا والمملكة السعودية واليمن وإيران مرورًا بلبنان والأردن له علاقة ما، وثيقة أو غير وثيقة، بالخارطة التي تُرسم لسوريا.

لك الله أيها الشعب السوري، أما عرفت أن ثورتك من أجل الحرية والكرامة ستزلزل العالم كله، ولن تحصل على ما تتمناه من استقرار إلا بعد أن يستقر ذلك العالم ويأمن من زلازل أخرى.

تابعنا على تويتر


Top