القواعد اختلفت

طه الرحبي

وجّه الشعب التركي أكثر من رسالة حين أفشل المحاولة الانقلابية في غضون ساعات، منتصرًا للشرعية بعد أن وجد نفسه على حد نصل تاريخي بين الديمقراطية وسرطان العسكر، ليؤكد أن هناك قوة تفوق قوة السلاح ولا يمكن قهرها بأي حال من الأحوال، وأن شعوب العالم الثالث ابتعدت عن ميلها الغريزي والالتصاق بالموروث الدكتاتوري والاستسلام الأعمى للسلطان، وأن إرادة الشعوب لا يمكن إنكارها تجاه تغيير العالم. وهذا ما حدث في الثورة الفرنسية والإنكليزية والأمريكية سابقًا، ويحدث حاليًا مع الشعوب الشرقية إذا ما عرفنا أن الشعب التركي خرج بشكل عفوي.

المتأمل لشعوب العالم الثالث، والعربية على وجه الخصوص، يجد أن هناك تغيرات جذرية حدثت في طبيعة هذه الشعوب من خلال إدراكها لما يحاط بها من مخاطر، لتظهر في السنوات الأخيرة في صورة مختلفة تمامًا، بعد أن تخلت عن السذاجة والبساطة التي اتسمت بها خلال العقود الماضية، ومنعتها من أن تعيش بكرامة أسوة بشعوب العالم، بل أفقدتها الثقة بنفسها ورزحت تحت قيود الجهل والتخلف.

والمتأمل أيضًا لأحوال الشعوب يجد أن قواعد اللعبة اختلفت جذريًا، وأصبحت القيادة للشباب الذي عانى من التهميش الممنهج على مدار عقود، بعد أن حقق قفزة نوعية في الوعي وأدرك ما يفكر به الغير، وخرج عن المألوف، بعدما كانت القيادة في الثورات سابقًا لرجال الدين، ابتداءً من عبد الكريم الخطابي إلى عمر المختار وغيرهم، والذين انتهت الثورة بموتهم، ناهيك عن اختلاف رجال الدين اليوم حول جواز الخروج على السلطان من عدمه.

لقد خرجت نماذج شبابية متواترة يشار لها بالبنان تتسلح بالوعي والفكر والإبداع، مؤمنة بالحرية وتتبنى نفس الفكر الديمقراطي، وهذا ما لاحظناه على الساحة السورية التي قدمت نموذجًا خياليًا كسر كل التوقعات، وأنهى تلك الفكرة التي ترسخت بالأذهان عن القوة المهيمنة التي تحطمت أمام صلابته وإرادته داخليًا وخارجيًا.

رغبة الشباب السوري في الدفاع عن حريته وكرامته أمام أعتى الطغاة رغم قوة الآلة العسكرية التي تستخدم منذ خمس سنوات لإطفاء جذوة الثورة، هي خير دليل على أن ثقافته وعزيمته قد نمت وأصبحت لا تقهر، وأعطى الأمل بالإيمان بالقوة الشعبية وقدرتها الهائلة على المقاومة والنضال.

هذه دلائل تغيير في تلك الشعوب والقادم مبشر بالخير، وما نشاهده ما هو إلا خطوة نحو الحرية والديمقراطية.

إذا كان الشعب التركي انتصر للديمقراطية في إفشال المحاولة الانقلابية فقد انتصر لنفسه، أما إذا انتصر لشخص فسيحصد وبال ذلك عاجلًا أم آجلًا.

تابعنا على تويتر


Top