المعارضون في مناطق النظام: ما منحكي بالسياسة.. الله يفرّج

A-Syrian-man-walks-past-a-poster-bearing-a-portrait-of-Syrian-President-Bashar-al-Assad-on-a-street-in-the-capital-Damascus.jpg

رجل يمشي إلى جانب بوستر لرئيس النظام السوري، بشار الأسد، في دمشق - شباط 2016 (AFP)

لن تكون سعيد حظ إن اكتشفت عناصر النظام السوري الاستخباراتية المتلبسة بزي مدني والمنتشرة بكثرة في مناطق سيطرته، أنك تعارض النظام في أفكاره، وتحمل في رأسك فكرًا ومعلومات تدحض روايته الرسمية، “لا ثورة في سوريا على الإطلاق بل إرهابيون ومندسون ممولون من دول عربية وغربية وهدفهم تدمير سوريا”. ببساطة ستعتقل وتقاد إلى جهة مجهولة، إثر تقرير أمني تخطه يد أحد ممن تخالطهم، فأنت ذو منطق يخالف الاتجاه السائد والرأي العام، الذي يكرسه النظام وإعلامه.

حركة اعتقالات المواطنين لمجرد إبداء رأيهم بما تمر به البلاد منذ العام 2011، كانت على أشدها خلال السنوات الأولى خشية النظام من تمدد رقعة الاحتجاجات وبالتالي خروجها عن السيطرة، لكن كل الخطط باءت بالفشل، إلى أن تحولت الاحتجاجات السلمية إلى أعمال مسلحة على امتداد سوريا.

كثير من طلبة الجامعات والمعاهد، والموظفون في القطاعين العام والخاص، ومواطنون عاديون، أصبحوا “وراء الشمس”، وقسم منهم مات تحت التعذيب، وآخرين مجهولي المصير حتى الآن، لمجرد كلمات تفوهوا بها، تلقفها مخبر، أضاف عليها “بهاراته”، فكانت النتيجة اعتقال وتغييب الآلاف.

الاعتقال التعسفي (الاقتياد لجهة أمنية أو حاجز قريب، وبعدها الإيداع في سجن أو مفرزة أمنية)، جعل السوريين المعارضين لتوجهات النظام يحارون ماذا يفعلون، فقد حتم عليهم قدرهم العيش بحذر شديد وحساسية بالغة لكل شاردة وواردة، في مناطق تحكمها قبضة أمنية.

هم جسديًا في مناطق النظام، حيث أعمالهم وحياتهم اليومية أو نزحوا من مناطق “مشتعلة”، لكنهم فكريًا مع الثورة، ويتمنون “الخلاص من الديكتاتورية اليوم قبل غدًا”، كما تقول طالبة في جامعة دمشق لعنب بلدي، إذ بات الكثيرون “يخشون على أنفسهم ويحسبون مآلات كل كلمة يتفوهون بها، ويريدون قضاء ما تبقى من حياتهم بخير، بعد أن تبددت فرص الوصول إلى نتيجة مرضية لطرف على حساب الآخر، وأقصد انتصار المعارضة على النظام”.

السير إلى “التهلكة”

“لا تحكي بالسياسة” هي العبارة التي يرددها كثيرون في دمشق وغيرها من مناطق سيطرة النظام، لأن الحديث في الأماكن العامة عن الوضع الراهن والمتسبب بالأزمة الحقيقية للشعب السوري قد يودي بصاحبه إلى “التهلكة”، كما يقول موفق، وهو شاب لا زال يعيش في دمشق ويرغب بالسفر إلى خارج البلاد عندما ينهي تعليمه الجامعي.

تشير إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن عدد المعتقلين أو الذين تعرضوا للإخفاء القسري في سجون النظام بلغ 90697 شخصًا (5683 رجل، 2716 طفل)، بما يعادل نسبة 80% من المعتقلين على أيدي القوات والفصائل المسلحة في عموم سوريا منذ العام 2011.

وترى ناشطة مدنية من حماة، كانت شاركت في الثورة وفعالياتها المدنية منذ بداياتها، (رفضت ذكر اسمها)، أن القوات الأمنية والمخابرات التابعة للنظام استطاعت فعلًا القضاء على كافة الأعمال الثورية مهما كانت طبيعتها، ولم يعد بإمكان أي ناشط القيام بأي عمل “ثوري” حتى ولو كان لصق صورة على جدار أو كتابة عبارة على حائط، فالعيون في كل مكان والخوف من الملاحقة الأمنية والمداهمات المستمرة يلاحق الجميع دون تمييز.

“الشبيحة” مكسب للمعارضين

وحول طبيعة الحياة التي يعيشها المواطنون والناشطون المعارضون للنظام وتوجهاته العسكرية في حل الأزمة في سوريا، أكدت الناشطة المدنية أن السكان يعيشون وسط حالة من الذعر والخوف المستمرين رغم أنه لم يعد هناك أي نشاطات مرتبطة بالثورة او تدلل عليها.

وبحسب قولها “في أي منطقة تحت سيطرة الأسد أنت بحاجة لشخص من الدفاع الوطني أو من الشبيحة لتستطيع تسيير أمور حياتك، إذ أن الحصول على بعض المواد المعيشية وتسيير المعاملات في المؤسسات الحكومية يقتضي التعرف على مثل هؤلاء النافذين لكونهم عسكريين يحملون سلاحًا يخيف الجميع”.

أجبرت حالة الخوف من تصرفات النظام وعناصره الأمنية المواطن المعارض في مناطق سيطرته لأن يكون “شخصيتين بواحدة”، في قلبه وأمام من يأمن سرهم ومكيدتهم “معارض”، وأمام الملأ “رمادي” أو “موالي”، ما أدخل الكثيرين في حالة فصام شخصية مع طول سنوات الصراع.

لكن هذه الحالة أرحم من أن يكتشف سرك وتقاد إلى مكان لا يعلم به أحد، وفق توصيف الناشطة من حماة، وتقول “بسبب الخوف أصبح معظم المعارضين للنظام يعنلون عن ذلك في قلوبهم ولا يعلم سريرتهم إلا الله، إنه الخوف من النظام، والخوف على كل شيء، الأطفال، العائلة”. تضيف “الموجودون في منطقتنا يكملون نشاطهم الثوري بدعوات في القلب لا يسمعها إلا الله، تدعو لنصرة الثورة”.

سطوة الآباء خوفًا من “حماة ثانية”

مع الإنطلاقة الأولى للثورة، كان العديد من أرباب الأسر يمنعون أولادهم من مشهدة الفضائيات الإخبارية العربية مثل “الجزيرة” و”العربية” لكونهما تنقلان بشكل لحظي ومباشر المظاهرات والمظاهر الاحتجاجية في عموم سوريا، لكن وسائل التواصل الاجتماعي كانت حلًا بديلًا لمتابعة ما يحدث من حول السوريين في مختلف مناطق تواجدهم.

ويعزو عدد من الناشطين تصرف الآباء هذا إلى الخوف من “بطش” النظام، فذكريات “مجزرة حماة” الشهيرة، في ثمانينيات القرن الماضي لا تزال ماثلة في أذهانهم ولم تتلاشى معالمها بعد، وكانوا يخافون من تكرار هذا السيناريو المؤلم الذي راح ضحيته، وفق تقديريات أممية، نحو 30 ألف مواطن.

إسدال الستائر على المظاهرات

ويسرد مواطنون لعنب بلدي تجاربهم “الوقائية” مع بداية انطلاق الثورة وإلى يومنا هذا، والطرق التي كانوا يتبعونها خشية “الوشاة” الذين غرسهم النظام والدفاع الوطني في كل حي وحارة وزقاق وشارع.

يقول أحدهم “كنا نسدل الستائر، ونشاهد إحدى القنوات التي تنقل المظاهرات بشكل مباشر”.

أما أبو محمد أبازيد، وهو مواطن ورب أسرة من درعا، يقول لعنب بلدي “نسكن في منطقة تحت سيطرة النظام منذ بداية الثورة، والأصح أننا لم نذهب إلى المناطق المحررة بسبب التدهور الأمني والقصف والدمار، وفعليًا كان النزوح عكسيًا، لكن كما تعلم بعض أبنائنا ذهبوا للمناطق المحررة للمشاركة في الثورة، وتحديدًا العمل العسكري”.

أبازيد فقد ابنه على إحدى الجبهات يقاتل ضد قوات النظام، يصف حال العائلة وما وصلت إليه نتيجة الحزن بـ “الشديد”، مع مخاوف لا يمكن وصفها “من ردة فعل النظام في حال علم أنه ابنهم”.

ونتيجة ذلك، فكر أبازيد بمغادرة مناطق النظام لكن “الارتباط مع منزلنا وأرضنا وحارتنا وجيراننا كان يدفعنا للبقاء، مشاهد النزوح واللجوء على وسائل الإعلام كانت صعبة للغاية، وتشكل حافز إضافي لاستمرارنا بمنزلنا”.

ويؤكد أبازيد على أن العائلة “تعيش في حاضنة معارضة، الجيران الأصدقاء، ونتحدث في أمور الثورة بشكل متواصل، لكن بيننا فقط، ونترحم على ابننا في قلوبنا، وعندما نضطر للتعامل مع الشبيحة نضطر لمجاملتهم ببعض الكلمات وهذا هو الأصعب”.

لسان الحال.. الله يفرّج 

في الشارع الحذر واجبٌ على الجميع، فارتفاع الأسعار، إن حدث، يجب أن يترافق مع متلازمة حفظها المواطنون، مفادها أن “الإرهابيين” هم السبب فقد قطعوا الطرق، أو سرقوا شحنات المواد، أو قصفوا فرنًا أو معملًا، والحقيقة تكون عكس ذلك تمامًا.

وفي الصيدلية، والمستشفى، وباص النقل الداخلي، والحديقة العامة، وأمام كشك الصحف، وأحيانًا في المنزل الواحد، حفظ كل فردٍ لسانه، وحسب كلماته و”دوزنها” بعد أن بلغت حالة الاستقطاب بين السوريين مبلغًا، أودى بكثيرين إلى الهاوية، في حين رُفع آخرون إلى مقامات ماكانوا يحلمون بها قبل اندلاع الاحتجاجات.

وفي المجمل تدور الأحاديث تحت سقف الشؤون العامة، توفر الكهرباء وقصر أو طول فترة التقنين، ارتفاع أجور الخدمات من نقل وتعليم وطبابة وغيرها، أسعار المواد الغذائية، ولسان حال الجميع “الله يفرج” أو “الله يطفيها بنوره”.

من كان جريئًا يتحدث عن انتشار حالات الخطف والسرقة من قبل مسلحين أو ميليشيا غالبًا ما تجهّل الانتماء أو التبعية رغم أنها من التشكيلات التابعة للنظام، أو يطلق عليها لقب “دواعش الداخل” كناية عن تنظيم “الدولة” الذي يقاتله النظام السوري في أكثر من مكان وفق روايته، لكونهم يستغلون الحرب ويتشرون الفوضى والقتل حيثما يحلون.

تابعنا على تويتر


Top