“أبو محمد الجولاني”.. ملامح بلا وجه

ALJOLANI_SYRIA_NUSRAAA.jpg

لقاء الجولاني مع قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود - 2015 (يوتيوب)

حسن مطلق – عنب بلدي

الاسم الذي يرعب الغرب، المجهول والمعروف في آن واحد، الشخصية المعقدة غير مكتملة الملامح، الذي ينتظر الجميع رؤية وجهه “البشوش”، كما تبدو وجوه مؤيديه عندما يلقي خطاباته النادرة، فهو “المجاهد الخارق البطل قاهر الأمريكان والنصيرية والغرب.. العصي على الجميع”، و”مندوب القاعدة في سوريا”، بنظر آخرين.

“الشبح” كما يصفه البعض، والذي تتسابق وسائل الإعلام إلى تحقيق سبق في كشف هويته، ويتنقل نسبه بين المدن السورية، فيستقر حينًا في دير الزور وآخر في الجولان وربما يصل إلى دمشق.

عاد ذكر الجولاني ليشغل الساحة عقب أنباء تحدثت عن نية النصرة فك ارتباطها بتنظيم القاعدة، وبينما تحدث كثيرون عن إمكانية الإعلان في الوقت القريب وتناقلوا مسميات جديدة للفصيل، اعتبر آخرون أن “أبو محمد” سيظهر للمرة الأولى ليعلن عن فك الارتباط رسميًا.

كزعيم العصابة الغامض، أو “الرأس الكبير” الذي لن يظهر بوجهه إلا مع نهاية الفيلم، في سينما الأكشن الرديئة، لم يخرج الجولاني إلى العلن حتى الآن منذ أن تلى بيان تأسيس “جبهة النصرة” في كانون الثاني من عام 2012.

وقال حينها “نبشّر الأمة الإسلامية بالحدث التاريخي المنتظر، بتشكيل جبهةٍ لنصرة أهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد، سعيًا منا لإعادة سلطان الله إلى أرضه، وأن نثأر للعرض المنتهَك، والدم النازف”.

ومن وراء حجاب، وجه كلمته إلى أهل الشام مطالبًا إياهم “أن يلتفوا حول راية لا إله إلا الله، فإنّما يُرفع بها الذل والهوان، ويسود العدل ويسحق الظلم”.

الاسم الأكثر شيوعًا للجولاني هو أسامة العبسي، وينحدر من بلدة الشحيل في ريف دير الزور، وولد فيها عام 1981، ثم انتقل إلى مدينة إدلب ليحصل على الشهادة الثانوية فيها، ودرس الطب البشري لمدة سنتين قبل أن يصبح مقاتلًا في العراق، ضمن “دولة العراق الإسلامية”، بقيادة “أبو مصعب الزرقاوي”، ثم اعتقلته القوات الأمريكية هناك، قبل أن يطلق سراحه، وينتدب إلى سوريا لتأسيس “النصرة” أواخر عام 2011.

تلك مجموعة من المعلومات الرائجة عن الرجل، والتي تحاول أن تدرك ملامحه، لكنها معلومات يصعب جدًا التحقق من مصدرها، ولا يوجد ما يثبت صحتها في مواجهة روايات أخرى لا تقل سبكًا ووجاهة عن نشأته ومسيرته.

ونشرت وسائل إعلام عديدة، من ضمنها قناة “العربية”، معلومات قالت إنها جديدة عن اسمه وأصله ودراسته، وهنا جاء الاسم الجديد لـ “الشبح”، أحمد حسين علي الشرع، الذي ينحدر من الجولان ونشأ في دمشق، ودرس هناك لمدة سنة واحدة في كلية الإعلام، ثم توجّه بعدها إلى العراق ليلتحق بصفوف “دولة العراق الإسلامية”، واعتقل بعد ثلاثة أشهر، ليفرج عنه بعد انطلاق الثورة.

ويعتمد الجولاني، الذراع القوية لزعيم “القاعدة” أيمن الظواهري في سوريا، أسلوب التخفي منذ دخوله الإعلام العالمي من أوسع أبوابه، فقد نشرت مجلة “التايم” في أحد تقاريرها أنه رفض الكشف عن هويته خلال اجتماع ضم قادة من فصائل بارزة، من ضمنها “أحرار الشام”، وقالت إنه اكتفى بالجلوس ملثمًا وجرى تقديمه إلى الحضور بمعرفة أمراء الجبهة في كل من حلب وإدلب.

وذكرت تقارير بريطانية أنه سافر إلى لبنان عام 2006، ويعتقد أنه شارك في تدريب “جند الشام” ثم عاد إلى العراق واعتقل في سجن “بوكا”، ليطلق سراحه عام 2008، ويغدو قائد عمليات “القاعدة” في الموصل.

وتعرف “جبهة النصرة” عمومًا بالتكتم والسرية، ويرفض عناصرها التصوير والتصريح لأحد إلا بإذن مسبق من “الأمير”، كما ترفض التصريح على العلن عن معلومات تخص أسماء القيادات أو أعداد مقاتليها وحتى مصادر التمويل.

أول ظهور للجولاني على شاشات التلفزة كان حين التقاه تيسير علوني على قناة الجزيرة عام 2013، وأهم ما قاله حينها إنه انتقل إلى سوريا بعد خمسة أشهر من بدء الثورة مع ثمانية سوريين غيره، واعتبر أنه “لا خيار للحاضنة الشعبية إلا احتواء المجاهدين بعد تخاذل العالم”.

وربما رآه الإعلامي أحمد منصور، حين ذهب إليه في محافظة إدلب، واستضافه ضمن برنامج “بلا حدود” على قناة الجزيرة، حزيران 2015. كما حظيت مجموعة من السوريين بينهم الإعلامي موسى العمر والناشط هادي العبد الله وآخرون، بالتعرف إليه شخصيًا، على الأرجح، خلال لقاء بثته قناة “أورينت”، كانون الأول من العام نفسه، إلا أن “الجولاني” مازال “شبحًا” في نظر الكثيرين.

ملامح جبهة النصرة ظهرت للمرة الأولى في دمشق بعمليات ضمن مبانٍ أمنية وعسكرية، أبرزها تفجير مبنى المخابرات العامة في منطقة كفرسوسة، كانون الأول 2011، واقتحام الأركان العامة في ساحة الأمويين، في الشهر ذاته من العام الذي يليه، ورسمت تلك العمليات جزءًا من ملامح “الجولاني” التي لم تكتمل حتى اليوم.

ويرى محللون أن حرص الجولاني على عدم كشف شخصيته ربما يكون لدواع أمنية، فـ”قياديو النصرة، الذراع السورية لتنظيم القاعدة يحرم التعرف إليهم”، بينما يرى آخرون أن سعيه لإنشاء وقيادة “إمارة إسلامية” في سوريا، يوجب عليه تحقيق أدنى متطلبات هذا المنصب، وهو الابتعاد عن الغموض والظهور على العلن.

ويبحث البعض عن صورة لوالد “أسامة العبسي”، الذي قيل إنه كان موظفًا في إحدى الجهات الحكومية في دير الزور، أو أحد أفراد عائلته، بعد عجزهم عن تحديد الصورة الصحيحة من بين عشرات انتشرت على أنها للجولاني، علّهم يرون في وجه الأب ملامح “القائد المجهول”.

تتردد الأصداء مرارًا عن نية الجولاني الظهور على العلن، وخاصة بعد كشف إصدار لـ”النصرة”، اللثام عن عددٍ من أبرز قادتها، آذار 2016، وفي وقت تواجه فيه انتقادات واسعة، إلا أن “المجاهد” مازال حبيس خيالات الكثيرين ممن يريدون التعرف عليه.

ربما يكون سؤال “الجيش الحر بعرفه وبعرف أهدافه.. بس أنت مين؟”، الذي خطه ناشط حلبي على أحد جدران مدينته، تعليقًا على الظهور الخفي للجولاني، يشغل بال الكثيرين، وربما ينتظر العالم بأسره أن يكشف القائد “الجهادي” عن ملامحه، لربطها بصوت شخص تردد مرارًا في تسجيلات صوتية، وأكد في معظمها أنه “سيستمر في القتال حتى إقامة إمارة إسلامية في سوريا”.

تابعنا على تويتر


Top