«النصرة» لم تنفصل عن «القاعدة»

فايز سارة – الشرق الأوسط 

خرج أبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة في شريط مصور، كاشفًا عن وجهه للمرة الأولى، وكشف عن مشاورات تمت بين الجبهة و«القاعدة»، تم بعدها الاتفاق على فك الارتباط بين الجبهة وتنظيم القاعدة، وأعلن تغيير اسم «النصرة» إلى جبهة «فتح الشام»، وأكد الجولاني، أن الجبهة الجديدة، ملتزمة بأهداف خمسة، تضمنت «العمل على إقامة دين الله وتحكيم شرعه وتحقيق العدل بين كل الناس، والتوحد مع الفصائل المعارضة لرص صفوف المجاهدين ولتحرير أرض الشام والقضاء على النظام وأعوانه، وحماية الجهاد الشامي والاستمرار فيه واعتماد كل الوسائل الشرعية المعينة على ذلك، والسعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وتخفيف معاناتهم، إضافة إلى تحقيق الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس».

الحدث الذي كان متوقعًا، لا يمثل في محتواه عملية فك ارتباط بين جبهة النصرة و«القاعدة»، إلا من الناحية الشكلية من حيث تغيير الاسم، وهو في الجوهر، تأكيد لعلاقات التبعية بين «النصرة» و«القاعدة»، واستمرار تعاونهما الذي بدأ قبل أكثر من خمس سنوات مضت، ظهرت فيها «النصرة» باعتبارها الفرع السوري من «القاعدة»، وهذا ما أكده المضمون العام لحديث الجولاني في الشريط المصور، من حيث تأكيده المشاورات، وتثبيته الأهداف الخمسة، التي أعلنها بوصفها أهدافًا لجبهة «فتح الشام»، وهو الاسم الجديدة لـ«النصرة». وباستثناء محتوى حديث الجولاني في الشريط المصور، فإن الظرف السياسي والميداني المحيط بالحدث، يؤكد من جهة أخرى، أن إعلان فك الارتباط، لا يعدو محاولة للتغلب على التحديات السياسية والعسكرية، التي باتت تواجه «النصرة» في ثلاثة مستويات؛ أولها الاتفاق الروسي – الأميركي، الهادف إلى تشارك الطرفين في الحرب على «داعش» و«النصرة» في آن معًا، باعتبارهما منظمتين إرهابيتين، والثاني واقع العلاقات الإشكالية المستمرة بين الجبهة وجماعات المعارضة السياسية والعسكرية، التي يقع في سياقها تصادم الرؤية السياسية بين الطرفين حول الأهداف والتكتيكات المتصلة بالصراع في سوريا ومستقبله، إضافة إلى الصراعات المتنامية بين «النصرة» وتشكيلات المعارضة السورية المسلحة الموصوفة بـ«المعتدلة»، وخصوصًا في الشمال السوري، وقد تصاعدت هذه الصراعات على نحو خاص في الأشهر الأخيرة، ومنها الصراع بين «النصرة» و«جيش التحرير» الذي له امتدادات خارج إدلب، ولا سيما في حلب وحماة، والأمر الثالث، تمثله الصدامات بين «النصرة» والحراك الشعبي المدني في كثير من مدن محافظة إدلب نتيجة ممارسات الأولى ضد السكان، وتمخض الصراع في هذا الجانب عن إخراج «النصرة» مقاتليها ومقراتها خارج عدد من المدن، كما حدث في مدينة المعرة.

وسط تلك المعطيات يبدو إعلان الجولاني في تحويل «النصرة» من جزء في المنظمة الإرهابية العالمية إلى تنظيم محلي معتدل، غير حقيقي ولا واقعي، ومجرد محاولة للخروج من المأزق السياسي والميداني الذي صارت إليه «النصرة»، وسوف يستمر هذا المأزق، ويتفاقم في مواجهة التنظيم باسمه الجديد. خطوة الجولاني، أثارت لغطًا في أوساط الرأي العام، أكثرية منه لم تجد فيها تبدلاً جوهريًا في طبيعة جبهة النصرة، ولا في سياساتها وممارساتها، بل ولا حتى في علاقاتها بتنظيم القاعدة، إلا من ناحية شكلية، وقلة رأت في إعلان الجولاني، تغييرات، تنقل جبهة النصرة إلى مكانة وسياسة أخريين، وتضعها في خط جديد من الممارسة السياسية والعسكرية.

إن فك الارتباط بين «النصرة» و«القاعدة»، يتطلب خطوات تتجاوز الاعتبارات السابقة إلى إحداث تبدلات جوهرية في طبيعة «النصرة» وسياساتها وممارساتها وعلاقاتها. ولعل الأبرز في موضوعات فك الارتباط، هو تجاوز «النصرة» هدف إقامة دولة إسلامية، الذي لم يكن هدفًا لثورة السوريين على نظام الأسد، وجرى استعماله في إطار «تطيف الثورة»، والانتقال إلى تبني هدف السوريين في دولة ديمقراطية توفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

كما يتطلب فك الارتباط، إجراء تغييرات في مكانة ووجود القيادات والمقاتلين غير السوريين في تنظيمها، وكان لغالبيتهم دور بارز في الارتكابات، التي قامت بها «النصرة» في السابق في تعاملها مع أطراف المعارضة السياسية والعسكرية، وفي تعاملها مع السوريين في الأماكن التي تسيطر عليها، ولا شك أن التغيير في هذا الجانب، ينبغي أن يصيب زعيمها أبو محمد الجولاني، الذي يعتبر رمزًا في تاريخ «النصرة»، على نحو ما هو عليه أبو بكر البغدادي في «داعش».

كما أن من الحق القول إن فك الارتباط، يتطلب من «النصرة» إصدار إعلان، يتضمن نقد سياستها وممارساتها في السنوات الماضية ضد تشكيلات المعارضة المسلحة ورموزها، وكان في عدادها شن عشرات المعارك ضد تشكيلات المعارضة المسلحة، وخصوصًا الجيش الحر، والقيام باغتيال واعتقال وتهجير كثير من ضباط وقيادات تلك التشكيلات. كما أن لا بد لها أن تقوم بنقد سياساتها وممارساتها ضد سكان المناطق التي تسيطر عليها، التي غلب عليها الاضطهاد والإخضاع في المجالات كافة.

إن تبني أهداف الشعب السوري في نظام ديمقراطي بديل، يوفر حرية وعدالة ومساواة، وتحسين علاقات «النصرة» أو خليفتها جبهة «فتح الشام» مع المعارضة السورية السياسية والعسكرية، وطرد المقاتلين الأجانب من صفوفها، بين أهم الخطوات في مسار قرار فك الارتباط بـ«القاعدة»، وما لم يتم ذلك، فكل ما يقال عن فك الارتباط، لا معنى له، وستبقى «النصرة» في حضن «القاعدة»، وستبقى هدفًا للاتفاق الروسي – الأميركي في الحرب على الإرهاب، ولن تجد من يدعمها ويساندها في الفضاء السوري العام.

تابعنا على تويتر


Top