«الاتحاد الديموقراطي» والعزلة التي يفرضها على نفسه وعلى أوجلان

هوشنك أوسي – الحياة 

يسعى «حزب الاتحاد الديموقراطي»، بمناسبة وبغيرها، إلى تأكيد أنه حزب أوجلاني، حتّى أكثر من عبدالله أوجلان نفسه، زعيم حزب «العمال الكردستاني». ذلك أنه إذا قارنا بين أداء «الكردستاني» بوصفه الحزب الأمّ، وأداء «الاتحاد الديموقراطي» بوصفه الحزب الفرع، لجهة التعاطي مع محنة أوجلان وفرض السلطات التركيّة العزلة عليه، نجد أن الحزب الفرع يتجاوز الحزب الأمّ بسنوات ضوئيّة. فالبيانات التي يصدرها وحجم النشاطات التي ينظّمها، تنديداً بالعزلة المفروضة على أوجلان، وفي شكل مبتذل يكرّه الناس بأوجلان أكثر مما يحمل على التعاطف معه، تقدّم الحزب السوري كأنّه مشكوك في أوجلانيّته، متهم بأنه يحاول الانفصال عن الحزب الأمّ، فيريد أن ينفي ذلك أمام قيادة «الكردستاني»!. فنحن لا نشهد نشاطات وتظاهرات أو اعتصامات أو بيانات مماثلة في أيّة رقعة جغرافيّة أخرى يحظى فيها «الكردستاني» بحضور تنظيمي وجماهيري.

فمثلاً، هناك الخبر الذي نشرته وكالة «هاوار» للأنباء التابعة لـ «الاتحاد الديموقراطي» في 25/7/2016، المتعلّق باجتماع المجلس التشريعي لـ «كانتون عفرين» لمناقشة مشاكل المواطنين وسنّ التشريعات والقوانين، وتحسين الخدمات في منطقة «الإدارة الذاتية الديموقراطيّة» التي يسيطر عليها الحزب الأوجلاني السوري. فمع أن منطقة عفرين، طبقاً لإعلام الحزب المذكور، خاضعة لحصار الكتائب التكفيريّة الإسلاميّة المتطرّفة منذ أشهر، يحاول الحزب الزج بقضيّة أوجلان، كأنّها قضيّة وجوديّة مصيريّة كونيّة، تتقدّم كل مشاكل مواطني عفرين والأخطار المحدقة بهم!. وجاء في متن الخبر المشار إليه: «مرّ أكثر من 16 عاماً على نضال القائد عبدالله أوجلان في سجن إيمرالي، وتعرضه لجميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، إضافة الى منع الزيارات والاتصال به. فالقائد آبو [الاسم الحركي لأوجلان] يمثل تطلعات جميع الشعوب المضطهدة، وينادي بالحرية والمساواة والديموقراطية للأمم كافة التي لم تحصل على حقوقها. لذا فإن مسؤولية الحفاظ على حياته تقع على عاتق هذه القوى العالمية كافة، وأن الوضع الراهن الذي تمر به تركيا، بخاصة بعد الانقلاب العسكري الفاشل والتمثيلية الأردوغانية التي تهدف إلى إعادة تركيا إلى عصر الدولة القوموية التي ترفض تطلعات الشعوب في الحرية والديموقراطية وفرض سلطة الحزب الواحد، يفاقم الخطر على حياة القائد آبو…».

صحيح أن السلطات التركيّة تفرض حالة من العزلة على أوجلان، عبر منعه من لقاء محاميه، خشية إطلاق تصريحات ربما يكون لها أثر سلبي في الأمن الداخلي لتركيا. لكن الصحيح أيضاً أن «الاتحاد الديموقراطي» يحاول فرض عزلة أخطر على أوجلان، عبر التوثين والتصنيم والتأليه الذي بات يتجاوز طريقة أنصار نظام السوري في تقديس وتمجيد الأسد الأب والابن وتأليههما، وطريقة الأتاتوركيين في تقديس أتاتورك. وبالتالي، فالعزلة التي يفرضها أنصار أوجلان عليه، عبر تنزيهه، تشوّه أوجلان أكثر من تشويه السلطات التركيّة له.

ويبدو أن حالة الاستعصاء والانسداد ورفض النقد والسعي الى تشويه سمعة المختلفين بلغت لدى «الاتحاد» ما لم يعد ينفع معه النقد، لا البنّاء ولا الهدّام. فالحزب شكّل خليّة إلكترونيّة مهمّتها اختراق حسابات كل من ينتقده على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتهاك خصوصيّة الأفراد والتنصّت والتجسس عليهم، كـ «عمل وطني» من صنف «حماية ثورة روجافا»، ورفع الغطاء عن «العملاء، الخونة، المرتزقة…». وهذه الفوبيا إنما تعود بجذورها إلى «الكردستاني» وأفكار زعيمه أوجلان إبان الثمانينات والتسعينات، إلاّ أن «الاتحاد» أوصلها إلى مستوى من الفاشيّة الحزبيّة شديدة الكراهية والعدوانيّة لأي توجه ناقد أو إصلاحي مدني داخل الحزب أو خارجه. وأكثر ما يواجه به «الاتحاد» منتقديه هو «دماء الشهداء» في مواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي، بحيث يغدو من ينتقده متطاولاً على «دماء الشهداء» و»حزب الشهداء».

هذه الممارسات والسياسات لا تسيء الى أوجلان والقضيّة الكرديّة في تركيا وحسب، بل إلى القضيّة الكرديّة في سورية أيضاً. ومن المؤسف القول إن هنالك رهطاً من المثقفين والفنانين التابعين الذين يكمن دأبهم في إضفاء الشرعنة والتبرير على ممارسات وسياسات كهذه.

تابعنا على تويتر


Top