النصرة وما أدراك ما النصرة؟

حذام زهور عدي

بعد أخذ ورد، وسجال وجهد، ووساطات دول إسلامية، ووجهاء الدعوة ومشرعيها في أقطار الأرض، تنازل زعيم القاعدة السيد “الظواهري” وقبل توجيه السيد الجولاني إلى إعلان فك الارتباط عن تنظيمه الأم، حرصًا على دماء المسلمين المدنيين الذين يقصفهم المحتل الروسي والتحالف الغربي والنظام الأسدي بذريعة تواجد النصرة بين ظهرانيهم.

والمسألة لم تأخذ منهما إلا الرجوع لباب سد الذرائع، وهو باب واسع في الفقه الإسلامي، يؤثر حماية أرواح المسلمين على الغزو والقتال إن كان فيهما خطر على أرواح النساء والأطفال والشيوخ وأعراضهم الذين لم يُكلفوا شرعًا بالجهاد، وبالفعل لم يُكذب الجولاني الخبر فأعلن في بيان نقلته وسائل الإعلام قرار تنظيم جبهة نصرة بلاد الشام الانفكاك عن القاعدة الأم.

وبصرف النظر عن أن بيان الانفكاك يشير إلى فكّ الارتباط التنظيمي ويؤكد التلاحم الإيديولوجي واتفاق الأهداف الاستراتيجية، فقد كانت ردود الفعل مختلفة إلى درجة التناقض حينًا أو انتظار المزيد من التباعد بينهما حينًا آخر، وندر من استنكر نقض بيعة الجولاني للظواهري وكأنه ارتداد عن الدين والإيمان، والحقيقة أن معظم هؤلاء النوادر من غير السوريين ينطبق عليهم المثل العامي القائل: “اللي ما حرقته المقلاية ما بيعرف شو الحكاية”.

لسنا الآن بصدد الحديث عن أصل النصرة وحسبها ونسبها، ذلك أمر لانملك اليقين فيه، وجلّ ما يمكننا تقديره هو من خلال العلاقة بين نتائجها على الثورة وذلك النسب، سواء أكان نسب “تحصيل حاصل”، أي بسبب النتائج الموضوعية له أم كان نسبًا عضويًا فيزيولوجيًا، وأول ما يلفت النظر في هذا المجال: التضخيم الإعلامي لظاهرتها، فالأبحاث التي أجريت ميدانيًا كانت تقدر أعدادها بسوريا كلها بحدود 5000 مقاتل لا أكثر، تمركز معظمهم في الشمال، وقيل إن من اشترك منهم في تحرير إدلب حوالي النصف بينما كان العمل الأكبر وقتها (على ذمة المشاركين بالقتال) لأحرار الشام، وكانت المفاجأة باستباق النصرة للآخرين ودخولها المدينة وانتشارها فيها، وصد الفصائل المقاتلة الأخرى عنها، وكان لذلك السلوك نتائج غير محمودة على المدينة وأهلها والأخوة المشاركين بالقتال.

أغلب الظن -إن أحسنا النية- أن النصرة لم تقصد بذلك الموقف ما أنتجه من دمار للمدينة وتهجير أعداد غير قليلة منها، لكنها ربما قصدت الإعلام والسيطرة، وبالطبع سارع الإعلام المعادي والعالمي لاستغلاله. فلماذا لم تفطن وقتها إلى سد الذرائع وتوفير حياة الآمنين وأعراضهم ومنازلهم؟

أما التصفية الجسدية لقيادات مهمة في الفصائل الأخرى، وأعمال تمزيق وحدة الثوار التي قامت النصرة بها، فنتمنى أن تكون كوادرها وقياداتها قد وعت أنها لم تُنتج إلا الشك بمصداقية جهادها، ولاسيما أن كثيرًا من المهتمين بشؤون الثورة تساءلوا عن توقيت إعلان فك الارتباط ولماذا جاء من الظواهري ولماذا أتبعه الجولاني ببيان يكرس اتهامه بالتطرف والإرهاب، ولماذا أظهر بعض المتنفذين بالثورة قبولهم به مع قناعتهم بخطر إعلان أهداف تتعارض كليًا مع أهداف الثورة؟

هل كان المقصود سحب أقدام النصرة لإشراكها بالمفاوضات؟ باعتبارها فصيلًا مقاتلًا مما يوصلها إلى القبول بدولة تعددية ديموقراطية تتعامل مع مكونات الشعب السوري على أساس المواطنة فقط.

أم المقصود سد الذريعة الروسية لتوفير حياة مقاتليها وحياة المدنيين والتخفيف من الخسائر البشرية ما أمكن؟

وإن كان الأمر كذلك فلن تنتظر موقفًا إيجابيًا من السيد بوتين وطاقمه، لكنها في أحسن الأحوال قد تسمح بإعلانها هذا للموقف الأمريكي بالحياد، وتضعه في غياهب المراقبة والترقب، وهو الموقف الغائب بكل الأحوال عن معاناة السوريين، الذين لم يعد يهمهم ذلك الموقف، فما يهمهم اليوم استمرار الثورة وانتصار حلب.

ولأن النصرة أو فتح الشام، تعرف ما يُحرك السوريين اليوم، ولأن معظم كوادرها من شباب سوريا الثائر، الذين يَسْعون للاندماج في مجتمعهم، تتقدم الثوار بحلب بعملياتها الاستشهادية وبنشراتها الإعلامية التي تحرص على تسريبها واستباق الإعلام الرسمي لغرفة عمليات جيش الفتح، بالرغم من توجيه إعلامه مثلًا بألا تتسرب أي أخبار إلا بعد انكشافٍ واضح للمعركة ومن خلالها فقط.

إن مقاتلي النصرة أو فتح الشام –والحق يُقال- من أشد المقاتلين التزامًا وإقدامًا، ومع أن ما سبق من سلوكهم يسبب مقتلًا للثورة لكننا لا نستطيع إنكار ما هم عليه من الإرادة والتصميم. تلك الصفات إن رافقها وعي بما يجوز أو لا يجوز بالثورات، ووعي بتمييز الأهداف العقائدية عن الأهداف الوطنية الجامعة المرتبطة بقبول الآخر واحترام رأيه، كانت من الثورة بمكان القيادة، أما إن رافقها الجهل وحب الظهور وإعلان أهداف بعيدة عما خرج السوريون من أجله فهي الممر الأرحب لتدمير البلاد والعباد ودفن الثورة.

لكن يبدو أن في أفقها نوعًا من الإضاءة، وكأنّ تماسها مع الفصائل الأخرى وقتالها في حلب يدًا بيد، مع الانفكاك الذي أشعرها بنوع من حرية الموقف، ومع استشعارها بالخطر الدولي الذي لن يقبل بأقل من اجتثاثها ودمار كل ما حولها، كأنّ كل ذلك دفعها لنوع من الاعتدال الذي نتمنى استمراره وتطويره، فقد وافقت مع الفصائل الأخرى على البيان الذي أصدرته غرفة عمليات جيش الفتح والذي يُعطي الأمان لكل مدني أو مقاتل يرمي سلاحه من أي طائفة أو عنصر كان، وقبلت أن تكون الكنيسة مكانَ أمانٍ وأن يُدعى المجاهدون بالثوار، التعريف الذي كانت ترفضه سابقًا، والنصرة أو فتح الشام في هذا الموقف تكون قد أبعدت عنها صفة التكفير والتطرف وفتحت بابًا للتسامح كما يوجه إليه الإسلام في جوهره.

ندعو الله أن يهديها سواء السبيل، وألا تعود لسابق عهدها، بعد أن تنتهي معارك حلب ففيه دمارها ودمار الوطن الذي لن ترفع فيه رايةٌ للحق والعدل بعد ذلك.

تابعنا على تويتر


Top