لحظة موت… الشهيد محمد خير شمّا

عنب بلدي – العدد 74 – الأحد 21-7-2013
نبيل شربجي
0-0
أناس كثيرون يضعهم القدرُ في طريقنا، أو يرمينا على مفترقات دروبهم فيغدون مع مرور الأيام جزءا من تاريخنا الذي ينسج أيامه بخيوط الألم تارة والأمل تارة أخرى.
يعيشون معنا وقربنا فيتركون بصماتهم الصادقة على أوراق أزمنتنا، ويتكرّسون بأنفاسهم الزكية ذكريات دافئة ترقد بسلام في مخيلاتنا، وتشرق ابتساماتهم بروجًا تملأ علينا السماوات، وقناديل تلامس بنورها عتمةً في زوايا الضعف الذي يتسلل خفية إلى نفوسنا بين الحين والآخر.
أصدقاء مروا عبر حكاياتنا فأعطوها بريقًا له معنى، وعبروا في شرايننا دماء امتزجت بحنان سرى بين الأضلع، فكانوا إخوة اصطحبونا يوم لم تملك نفسٌ لنفس شيئًا إلا صاحبًا لم يكفّ عن الحب والخير والعطاء.
كذلك كان محمد خير شما ومحمد أديب مطر ومحمد شحادة «أبو يزن» ومصطفى ريشة وأحمد السقا ومحمد قريطم «أبو النور»…وآخرون تطول بهم القائمة.. أصدقائي الرائعون الذين ألفنا حنيّةً كانت ترتسم على تعبيرات وجوههم من أثر الطيبة التي كانت تغشى قلوبهم البيضاء رغم الشوائب الطارئة التي تفرضها الأيام.

ألفناهم حتى ليكاد حبهم الدائم ينسينا أن للشمس غروبًا محتومًا يصدمنا فجأة مخبرًا بأن أنفاسهم قد توقفت في لحظة موت لا تحابي أحدًا.
لحظة موت جرفتهم معها بدون أن تشفق على وجوههم الناعمة، أو تأذن لأرواحهم الطاهرة أن تشفع للأجساد المثقلة بالتعب، ولا لنواياهم الحسنة وصدق ما خرجوا لأجله أن تؤخر أجلًا قد انقضى وانكتب.
لحظة موت تطايرت معها قطرات الحب من أوردتهم لتروي ظمأ أرض يغمرها الكره والحقد حتى الثمالة، فإما أن تسكر بخمرها فتؤمن، أو تنقلب جحيما لا تبقي ولا تذر!.
محمد خير شما غاب فغاب الخير كله عنا، ولن تقنعني قذائف الهاون بكل نواياها الحسنة بغير ذلك.
محمد خير غاب فلم يترك لي حيلةً إلا التشبث ببقايا الذكريات والكلمات الطيبة التي صاغتها أفئدته يومًا، فكانت فرحًا لجروح حُفرت على أرصفة العمر.
محمد خير غاب فمن للأشواق التي تسكن فينا يقنعها بأن الأرض لا زالت تدور، وبأننا لا زلنا أحياء؟!…ومن للخيالات التي تطاردنا يخبرها بأن ترأف بعزيز خير ذل؟!..
أحيانًا كثيرة تبدو لنا الحياة بكل ضجيجها ومتاعها وشقاوتها ليست أكثر من لحظة موت…
وما أطولها من لحظة.

تابعنا على تويتر


Top