الكيماوي مجددًا

حذام زهور عدي

في مثل هذه الأيام منذ ثلاث سنوات نفذ النظام الأسدي أسوأ مجزرة في التاريخ الحديث، وقتل بالغازات السامة أسر غوطة دمشق، أسرٌ نائمة بفُرشها، بأطفالها وأمهاتها وشبابها بكل ما هو حي حولها، قتلها بدم بارد دون أن يرف له جفن، قتلها وهو مطمئن أن لا أحد سيحاسبه على جريمته، بالرغم من الرغوة والزبد اللتين كانتا تملآن فم أوباما وتابعيه من المجتمع الدولي العتيد.

في تلك الليلة واليوم الذي تلاها يذكر السوريون جيدًا ترقبهم للبيان رقم واحد، وكيف كان أهالي شهداء الكيماوي يسمعون أخبار تحرك الصواريخ والبارجات والطائرات فترتجف أيديهم وهم يدفنون أطفالهم، ألم يكن أطفالهم قرابين الخلاص للسوريين ووصولهم بر الحياة؟

في الأيام التالية، وبعد الذهول والشفاء من صدمة الموقف الأمريكي، توصل السوريون إلى قناعتين: أولاهما أن أوباما ونظامه ليس بوارد دعم ثورة الشعب السوري، والكلام الأمريكي عن مهمتها العالمية “نشر الديمقراطية” كلام مدهون بزبدة يمحو نهاره ما ينشر ليله، وأن المسألة ليست فقط “المنام” الذي رآه السيد أوباما، وإنما قرار نظامٍ أمريكي، واجِهتُه السيد أوباما، فلو حدث ما حدث في المجاهل الإفريقية لقامت الدنيا ولم تقعد، بل إن لعنة الكيماوي تصاحب إعلاميًا صدام حسين ونظامه منذ أن رش حلبجا به، إلى قبره وقبر نظامه، وكانت أحد الأسباب التي صاغ المجتمع الدولي، فيما بعد، قرار المناطق المحمية في شمال العراق، ثم قرار غزوه.

والثانية: أن الأسد نفد بجريمته دون خسائر، فتسليم بعض مخزونه من سلاح جريمته ليس خسارة له، وما أسرع أن يعوضه بالمخازن الإيرانية أو بما خفي على القرار الدولي من معامل صناعته أو تغابى العالم عنه، ثم ما ضرورة أن يحتفظ بسلاح لن يقاتل به إلا شعبه، وعنده ما يكفيه لهذه المهمة في الوقت المناسب؟

ولذا بات السوريون يتوقعون عودة الأسد إلى الكيماوي من أجل ردع مقاومي نظامه ورافضي استمرار وجوده الإجرامي، وإرهاب المدنيين الذين لا صوت لهم لينطقوا بما يريده، ولِمَ لا يفعل طالما أن المجتمع الدولي بأكمله يتعامى عنه، وطالما أن روسيا الدولة الكبرى، المسؤولة وفق قوانين مجلس الأمن عن “السلام العالمي وحماية المدنيين”، تقصف العُزّل بالصواريخ الفراغية والفوسفورية المحرمة دوليًا، دون أي رد فعل يحفظ شيئًا من ضمير الإنسانية!

وبالفعل، استمر النظام الأسدي بالقصف الكيماوي هنا وهناك، وخاصة عندما يُحشر في زاوية لا يستطيع الخلاص منها إلا باستمرار فظائعه، وهاهو اليوم يقتل مرة أخرى أسرًا كاملة في إدلب وريفها، في جسر الشغور وسراقب وغيرها، وليس آخرها إلقاء البراميل الممتلئة بغاز الكلورين على حي الزبدية في حلب، والبراميل ذاتها على “سرمدا والدانا” وهي الحدود السورية- التركية، وكأنه تحدٍ لتركيا أو انتقام من فشل الانقلاب الذي هلّل له النظام، تلك الحدود التي يلجأ الهاربون بحياتهم إليها، وكأن الموت يلاحق السوريين أينما اتجهوا في الجهات الأربع للأرض كُرمى لبقاء نظام الإجرام والفظائع.

أما العالم الذي يسكت عن جرائمه ويشاركه بها، والذي يعرفها ويراها جميعها رؤية العين، ما ظهر منها وما خفي، الصغيرة والكبيرة، فيذكر عددها وأنواعها على لسان السيد الأمريكي والسادة الأوربيين عندما تقتضي الحاجة الدبلوماسية تلك التصاريح، ويتغافل عنها أو يشكك بفاعلها “وتلك جريمة أكبر”، عندما تقتضي المساومات والتسويات ذلك. يُلوون الكلام وفق المصالح التي يرونها لأنفسهم أو التي يرسمها لهم صانعو النظام العالمي الجديد.

أي مستقبل هذا الذي ينتظر الأجيال القادمة من تلك الأنظمة؟ والتي جعلت العالم يتقبل تهجير الشعوب من أجل بقاء الحكام على كراسيهم، واقتلاع التركيبة السكانية من أرضهم التاريخية من أجل أطماع هذا العنصر أو ذاك المذهب، أما إن لم ترضخ فالكيماوي بانتظارها، فقد أصبح سلاحًا عاديًا يختنق الناس به كطلقة بندقية، والأسلحة المحرمة لم تعد بوارد التحريم، ومن حرّمها هو نفسه من أباحها أو سكت عنها، إنه منطق القوة فقط، منطق الإرهاب الدولي الأكير صانع الإرهاب الأصغر”داعش وأمثاله”، ولم يعد للضعفاء أو المدنيين العزل أية حماية، كما لم يعد للشعوب بعد اليوم إلا أن تعي التجربة ونتائجها فتهرع كل أسرة فيها لامتلاك سلاح الدفاع عن وجودها، وتدرب أفرادها على استعماله أطفالًا وكبارًا، ذكورًا وإناثًا، لتضمن ثباتها في أرضها ووطنها ومنازلها.

أما مصانع الأسلحة فلتستمر عجلاتها بالإنتاج تديرها شلالات الدماء، وليشرب مالكوها نخب الملايين الحمراء من دماء الإنسانية.

أي نظام يُبشرون العالم فيه؟ نظام الغاب والصراع والمنازعات، نظام الصواريخ الفوسفورية والفراغية والذرية والنووية، نظام العالم الكيماوي نظام اللااستقرار، بل هو نظام العبودية من جديد!

يا مفكري العالم ومثقفيه وحرّاس قيمه وإنسانيته، أما آن الأوان لتفضحوا ما يُحضّر لأطفالكم؟ أما آن الأوان لتمسحوا على رؤوسهم وتعطوهم السلام والأمان؟ أما آن الأوان لتصرخوا في وجوه المجرمين أن كفى فلم تعد البشرية تحتمل فظائع أكثر؟ أما آن الأوان لتعملوا على إبدال عالم الكيماوي بعالم الورود والمروج والنقاء؟ أما آن الأوان لتقفوا مع أطفال سوريا وقفةً تلملم أشلاءهم وتعيد لأرواحهم المكلومة الأمل والفرح وتُعطيهم الحياة؟

قد يكون صوتكم اليوم صرخة في واد، لكنها غدًا “والغد قريبٌ لناظره” ستزلزل الأرض وتقلع أوتاد الاستبداد وويلاته.

تابعنا على تويتر


Top