الشراكة السياسية أو الانهيار الاقتصادي والمجتمعي

لؤي صافي – الحياة 

الأزمة المتزايدة التي تواجهها دولة ما بعد الاستعمار في المنطقة العربية هي أزمة غياب القيادة الوطنية المسؤولة وغياب سياسات عامة تحقق الصالح العام للمواطن لا مصالح نخب سياسية صغيرة متحكمة في مفاصل الدولة. الأزمة في جوهرها هي أزمة ضياع العدالة القانونية وغياب المساءلة الشعبية عن الحياة العامة، والمساءلة النيابية عن السلطة التنفيذية ومؤسسات الدولة عموماً. الفوضى السياسية والتراجع الاقتصادي والفقر والجهل ليست سوى أعراض لأزمة القيادة والكفاءة والعدالة والمشاركة السياسية الحقيقية. لذلك فإن الجهود الذي يبذلها حكام الجمهوريات العربية الفاشلة لمنع انهيار الدولة جهود ضائعة وفي غير محلها.

الجمهوريتان السورية واليمنية فشلتا سياسياً لأسباب تتعلق بتزايد الاستبداد وغياب العدالة والرقابة والسياسات التي تهدف إلى تطوير المجتمع السياسي، وخضوع تلك الدول لهيمنة نخب سياسية تخدم مصالحها وتتجاهل المصالح العامة. الأزمة التي أدت إلى هذا الفشل تحيق اليوم بدول أخرى وفي مقدمها مصر التي تفاقمت فيها الحالة الاقتصادية بعد الانقلاب العسكري وهي تواجه خطر انهيار اقتصادي يهدد بقيام دولة فاشلة جديدة في قلب العالم العربي. طبعاً لا يمكن مقارنة الأعراض المصرية بما يجري في سورية أو اليمن، لكن تجاهل سبب الأزمة الاقتصادية الحقيقي سيؤدي إلى انهيار مدو نظراً إلى حجم الدولة المصرية وموقعها الخاص في المنظومة السياسية الإقليمية والدولية.

لتوضيح عمق الأزمة التي تهدد الدول العربية خلال العقد المقبل ومخاطر استمرار الحكومات في النهج نفسه دعونا نأخذ خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة افتتاح شركة الإيثيلين في الإسكندرية الذي كرسه للحديث عن الأزمة الاقتصادية التي بدأت تتفاقم في مصر، والتي انعكست في تزايد الديون الخارجية وبلوغها حجماً يوازي الدخل القومي السنوي لمصر. شدد السيسي في خطابه على أن مسؤولية الحفاظ على الاقتصاد المصري مسؤولية مشتركة بين جميع المصريين وليست مسؤولية الرئيس وحده. وطالب القيادات السياسية والإدارية والإعلامية التي استمعت إلى خطابه بإيضاح هذه المسألة للمصريين وتبيان أن منع تزايد الديون يتطلب منهم القبول برفع الدولة الدعم عن الخدمات مثل خدمة مترو الأنفاق وأسعار الكهرباء وغيرها من الأسعار المدعومة. المعضلة التي يواجهها النظام المصري اليوم هي الحجم الهائل الذي يستهلكه دعم السلع والخدمات العامة من موازنة الدولة، وعجز الدولة المتزايد عن تغطية موازنة الدعم هذه.

كلام السيسي حول المسؤولية المشتركة للمصريين جميعاً، رسميين ومواطنين، كلام صحيح ولكن فقط عند وضعه في سياقه الصحيح، أي في سياق وجود شراكة سياسية حقيقية بين السلطة والمواطن المصري. ولكنه غير صحيح في سياق غياب الرقابة النيابية والشعبية الضرورية لمنع الفساد ومحاربته. مشكلة الاقتصاد المصري مشكلة استشراء الفساد وغياب محاسبة المتنفذين داخل الدولة. استشراء الفساد يظهر بوضوح في المزاحمة الاقتصادية التي تتعرض لها المؤسسات التجارية والصناعية والمشاريع الاستثمارية الخاصة. هذه المزاحمة كفيلة بإتلاف الاقتصاد وإخراج المواطنين من دائرة المنافسة الاقتصادية الضرورية للتطور الاقتصادي في اقتصاد مفتوح كالاقتصاد المصري، وهي مزاحمة ذات أضرار معروفة منذ مئات السنين، مذ أن حذر منها ابن خلدون قبل 600 سنة، وحولها آدم سميث إلى مبدأ اقتصادي أساسي، ولا يزال علماء الاقتصاد المفتوح يحذرون منها إلى يومنا هذا.

لكن المشكلة لا تقف هنا، بل تتجلى في حالة الفساد الاقتصادي والإداري المستشرية في بنيان الدولة. استمرار هذا الفساد ليس حالة طارئة أو موقتة، بل حالة منهجية لأنها ترتبط بحاجة النظام إلى توفير امتيازات خاصة للنخبة السياسية المستفيدة من وجوده، باعتبار هذا الدعم شرطاً للمحافظة على ولاء النخبة التي تتحكم بمفاصل الدولة الإدارية والتجارية والأمنية، وبالتالي ضمان استمرار القيادة السياسية للنظام في موقعها.

هنا يكمن التناقض بين مطالب السلطة وواقع الناس. التناقض بين دعوة المواطنين إلى المشاركة بالمسؤولية واستبعادهم وممثليهم عن المشاركة في القرار وفي صنع السياسات العامة هو مشكلة الأنظمة العسكرية على اختلاف مشاربها. نعم الأنظمة الاقتصادية المفتوحة هي الأقدر على تطوير الحياة الاقتصادية كما أظهرت تجربة المئة عام الماضية، ولكن هذه الاقتصاديات تحتاج إلى مشاركة سياسية للمواطنين تسمح بمساءلة المسؤولين ووضعهم تحت طائلة المسؤولية عند ظهور فسادهم وإخلالهم بالمصلحة العامة. أما الإصرار على حصر القرار بسلطة عسكرية، والتغاضي عن الفساد وسوء توزيع الثروة، ثم دعوة الناس إلى تحمل مسؤولية التراجع الاقتصادي وزيادة الديون فلن يؤدي إلا إلى كوارث اقتصادية وسياسية تستمر حتى قيام دولة المشاركة السياسية والقانون التي تمكن الشعب وممثليه من محاسبة الفاسد والمسيء مهما علا شأنه وارتفع موقعه السياسي.

استطاعت مصر، كما استطاعت سورية واليمن من قبل، تكريس الاستبداد على رغم وجود التناقض المذكور لأسباب تتعلق بوضع الاقتصاد الدولي، وقدرة الدول الداعمة في الشرق والغرب على توفير الدعم المالي الضروري للنخب الحاكمة لإدارة التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الداخلية. ولكن التزايد السكاني وتراجع قدرات الدول الداعمة اقتصادياً، وتزايد المطالب الشعبية خلق واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله من دون تدمير الاقتصادات المحلية وإثارة القلاقل وتحويل الدول العربية المصرة على تجاهل الأزمات المتفاقمة إلى دول فاشلة.

المطلوب من النخب الحاكمة والقيادات السياسية العربية الشروع بتغيير سياسي حقيقي وجذري سعياً إلى الحفاظ على سلمها الأهلي وتجنب الانهيار الكامل للدولة ومؤسساتها. التعويل على الدعاية السياسية وشراء الولاءات لم يعودا يكفيان للحفاظ على النظام السياسي. المطلوب اليوم مبادرة النخب السياسية الحاكمة إلى إجراء تغييرات جذرية وحقيقية في الموقف والسلوك، وتحويل المواطنين إلى شركاء حقيقيين في الوطن.

المؤشرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تصرخ بالجميع إما التغيير أو الطوفان… فهل من منصت؟

تابعنا على تويتر


Top