حوار الطلاقيات

Untitled-2.jpg

عمار زيادة – عنب بلدي

بعد أن تفقّدها أبو وائل يفسح المجال لرفيق دربه مهند، ليلقي نظرة على المساحة التي تكشفها طلاقية حفراها في الجدار على مقربة من قوات الأسد، لكن رصاصة قناص من الجانب المقابل كانت أسرع من نظرات مهند استقرت في عينه اليمنى، وأردته بين يدي أبي وائل.

يقول أبو وائل -القائد الميداني في لواء شهداء الإسلام-  أنه لم يستطع البوح لمهند بكلمات أسرها في نفسه فجر ذلك اليوم، لأن رصاصة القناص سبقته.

على خطوط المواجهات الأولى التي تشهد اشتباكات منذ ثمانية أشهر، لا وقت للراحة أو الالتفات للخلف، فـ «الموت أسرع» كما يقول النقيب أبو جمال -قائد لواء شهداء الإسلام- الذي يصوّر فتح الطلّاقيات على أنه مبارزة بين الطرفين «ندخل كلانا في مبارزة أو سباق سرعة في فتح الطلاقية… أنا أحفر في الحائط لإحداث فتحة في الجدار، وعدوّي كذلك، ومن يُكمل طلّاقيته أولًا يردي خصمه… قتيلًا أو شهيدًا».

«ممرات الموت والنجاة ونافذة لاصطياد القاتل» ربما كان التوصيف الأدقّ من أبي جمال، لكن أحد المقاتلين يسخر من اسم الطلّاقية، معتبرًا أن الاسم أتى من «حالة الطّلاق بين المقاتل وحياته».

يحدثنا بعض المقاتلين في اللواء -الذي تنضوي تحته أغلب الكتائب المقاتلة في داريا-  بأن الرصاص هو «الطريقة الوحيدة للحوار»، لكن آخرين يعترفون بأن الحالة النفسية للمقاتل لها دور كبير في النصر أو الهزيمة، وهذا ما دفع مقاتلي الحر لتشغيل التكبيرات وبعض الأغاني الثورية على خطوط المواجهة، أو الطلب من قوات الأسد الاستسلام والانشقاق عبر مكبرات الصوت، ويردف أبو جمال واصفًا الحالة النفسية لقوات الأسد «قد أكون قريبًا جدًا من العدو، يفصلنا عن بعضنا جدارٌ واحدٌ فقط، أسمعهم يصرخون بهستيريا، وقد يغنّون، وقد يكفرون بالله».

«سيف» أحد قناصي لواء سعد بن أبي وقاص، أصابه قناص للأسد برصاصتين في كتفه وبطنه، خلال محاولته استهداف قناص آخر كان يضرب على رفاقه، لتبدو القصة لنا أشبه بمثلثات من خطوط النيران، تغيب فيها نسب الربح أو الخسارة.

لكن سيف يُظهر -رغم إصابته- تفوقًا لقناصي الحر على قناصي الأسد، إذ يستطيعون «قطع طرقٍ مهمة على قوات الأسد»، مع أنهم لا يملكون دباباتٍ وأسلحةً ثقيلة يعتمد عليها الطرف المقابل لفتح الطرقات، في حين تقتصر مهمة قناصي الأسد على «حماية نقاطٍ  استطاع السلاح الثقيل الوصول إليها».

على طلّاقيته يصبر سيف وراء أكياس من الرمل والتراب لساعات منتظرًا من زاوية ضيقة أحد ضباط الأسد برتبة عسكرية رفيعة، وبعد أن ينهي مهمته تحجب قوات الأسد عنه الرؤية بـ «شادر» أو «متارس من خشب»، ليعيدوا تمركزهم.

ويشير سيف إلى أن قناصي داريا -من كل الكتائب- لا يملكون عددًا كبيرًا من القنّاصات، وتندر قناصات «دراغانوف-Draganov» الروسية الصنع التي يستخدمها قناصو الأسد بشكل أساسي وتتميز بدقتها ومداها الكبير، كما «تغيب الخبرة غالبًا»، إذ تلقّى سيف الذي اضطر لترك دراسته الجامعية «تدريبًا سريعًا على القناصة» في بداية الحملة على المدينة، ولم يحمل قبلها سلاحًا.

الهدف الأساسي من الطلاقية قنص ومراقبة جند العدو، لكنها تتسع أحيانًا لتغدو ممرًا آمنًا بين البيوت، حيث يستطيع المقاتل أن يتحرك، لمسافات طويلة عبرها في مأمن عن النيران، لتتحول من نافذة للقتل، إلى ممر لإسعاف الجرحى ومسرح لتحرك الإعلاميين.

ويستخدم المصورون الميدانيون الطلّاقيات للحصول على تسجيلات للعمليات العسكرية، وتحركات قوات الأسد وتوثيق انتهاكاتهم؛ «أبو الفدا» عضو المكتب الإعلامي في المجلس المحلي لمدينة داريا، يتحرك اعتمادًا على «توجيهات عناصر من الجيش الحر»، لأنهم «أعرف بتضاريس المنطقة»، ويقول «نحن نستفيد من الطلّاقيات، حيث يتم رصد موكب الدبابات، وكذلك عمليات «ضرب الدبابات بالقذائف، حيث يكون قاذف RBG»» متمركزًا على طلاقية، والتصوير من طلاقية أخرى»، مشيرًا إلى أن المكتب الإعلامي فقد اثنين من أعضائه بقذائف دبابات، أثناء محاولتهما تسجيل تحركاتها، وهما زيد الشهيد وعدنان مراد.

المدنيون داخل المدينة يعانون من الطلّاقيات رغم انعدام أي تحرك لهم على خط النار، إذ يكشف قناصو الأسد طلّاقيات جديدة مطلّة على بعض «الطرق الحيوية» في بعض الأحيان، لكن سرعان ما يغلق عناصر الحر الطريق على المدنيين بـ “سواتر ترابية، ولافتات تحذيرية»، كما يخبرنا أبو الفدا.

من جانبه يقدر المكتب الطبي للمجلس المحلي الإصابات نتيجة أخطاء بفتح طلّاقية أو كشفها من قبل قناصي الطرف المقابل بقرابة 100 إصابة، فيما تصل حالات القنص إلى 500 إصابة، منها 75 إصابة في الرأس استشهد منها نصف العدد.

تابعنا على تويتر


Top