ماذا قدمت أمريكا؟

الديمقراطية والحرب على الإرهاب.. قرنا أمريكا لدمار العالم

صهيب السلامات

إنَّ إقامة الديمقراطية ومحاربة الإرهاب هما القرنان اللذان تناطح بهما أمريكا كلَّ من طاوعت له نفسه التغريد خارج السرب.

حروب من أجل الديمقراطية، أم ماذا؟

لقد قطعت أمريكا على نفسها عهداً بأن تحمي الديمقراطية وتسعى لنشرها في كل البلدان، وأنَّها دوماً على أهبة الاستعداد لتبذل الغالي والنفيس كي تجعل إرادة الشعوب هي العليا، لتبني صرحًا لا ينهار لحرية الشعوب والديمقراطية.

شنَّت أمريكا وأقرانها حرباً على العراق للإطاحة بحكم صدام حسين الديكتاتوري، على حدِّ وصفها، ولتحقيق مطالب الشعب العراقي في نيل الحرية والديمقراطية التي حَرَمَها منه حزب البعث وأجهزة المخابرات العراقية. وبذلت الولايات المتحدة الأمريكية ملايين الدولارات وآلاف القتلى من الجيش الأمريكي من أجل أن يعبِّر الشعب العراقي عن إرادته وينعم بالديمقراطية.

اليوم وقد مضى على بدء حرب العراق 13 سنة، تُعدُّ العراق من أولى الدول الأقل استقراراً في العالم، وتصنَّف العاصمة بغداد أسوأ مدينة للعيش. كلُّ هذا جاء مع الديمقراطية التي قدمتها أمريكا كهدية للشعب العراقي.

آمنّا بأن حرب العراق مبررة ومشروعة لإرساء الديمقراطية، لكن كيف لنا أن نفسِّر الحرب على نيكاراغوا (البلد الصغير الذي يقع في أمريكا الوسطى)، التي شنَّتها الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط الحكومة الديمقراطية المنتخبة واستبدالها بعصابات ونظام قمعي وحرب أهلية وتفجيرات؟ وكيف لنا أن نفهم وقوف أمريكا في مصر ضد الديمقراطية ودعمها للعسكر في انقلابهم على الشرعية حتى أطاحوا بالرئيس المنتخب بعد ثورة 25 يناير؟

إنَّ الولايات المتحدة وحلفاءها يضربون بسيف تطبيق الديمقراطية ليتخلَّصوا من الحكومات، التي لا تتفق مع سياستهم الخارجية، ولو كانوا يريدون الديمقراطية حقاً ويسعون لتحقيقها لما دبروا للانقلاب في تركيا، وحركوا وحدات من الجيش التركي لتنقلب على الرئيس التركي أردوغان، الذي نقل تركيا نقلةً نوعيةً في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، جعلها في مصاف الدول العظمى.
كما أن أردوغان وحزبه من مؤسِّسي ركائز الديمقراطية في تركيا، فهو أول رئيس تركي منتخب عن طريق الاقتراع المباشر. وقد فشل الانقلاب بسبب خروج الشعب التركي ليدافع عن الشرعية وعن الديمقراطية.

وفي هذه الحالة، حينما اختلفت مصالح أمريكا مع مصالح الشعوب، وجدنا أن أمريكا تدوس على الشعوب وعلى الديمقراطية كي تعيد الضالين إلى بيت الطاعة، فلا معنى لإرادة الشعوب ما لم تكن متطابقة مع إرادة أمريكا.

في سوريا يبدو الأمر أكثر وضوحاً، فموقف الولايات المتحدة غير المعلن داعم للرئيس بشار الأسد، علماَ أنها تعلم جيداَ أنَّ الأسد هو العدو الأول للديمقراطية وللإنسانية، فكيف لها أن تقف مع أكبر نظام قمعي متسلط يسدّ أفواه شعبه بالبراميل والدبابات!

ألا يعدّ صرح الديمقراطية الذي تبنيه الولايات المتحدة الأمريكية أعرج وأعمى وبدون رأس حتى؟ إنَّه كذلك، لكنَّ أمريكا تملك أعظم برنامج فوتوشوب، فمن خلال استخباراتها ووسائلها الإعلامية وسطوتها العسكرية تضع لهذا الصرح كلّ ما ينقصه ليبدو كاملاً مكملاً يلفت الأنظار ويبهر العالم ببريقه حتى يطوف حوله كلُّ أعمى لا يرى إلا بعينيه.

إرهاب “فضفاض” يخدم المصالح

في الجهة المقابلة لرأس أمريكا قرنها الثاني الذي تضعه في خصر كلِّ من تفلَّت من القرن الأول، وهو الحرب على الإرهاب، الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية وقطعت على نفسها عهداً بأن تقاتل الإرهاب حتى آخر جندي أمريكي وآخر دولار، في سبيل حماية العالم من شرور الإرهابيين الذين لا يتركون مجالاً لدولة أن تستقر ولا لشعب أن يعيش، إنهم أعداء الإنسانية، على حد وصف واشنطن.

وبدأت هذه الحرب، التي تختلف كلياً عن جميع الحروب المعروفة في السابق، فهي حرب ضدَّ فكر وليست حرب ضدَّ دولة أو جماعة، إنَّها حرب فضفاضة تُستخدَم كيفما أرادَ صاحبها.

وكان أول تجسيد لهذه الحرب في الهجوم العسكري على أفغانستان، وشنَّته أمريكا وحلفاؤها بعد أحداث 11 سبتمبر، التي اتُّهم بتنفيذها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وحكومة طالبان المتشددة.

وكان الإعلان لهذه الحرب بدعوى قتل رأس الإرهاب أسامة بن لادن وتقويض تنظيم القاعدة من المنطقة. واستمرت 13 سنة وكلَّفت أمريكا مليارات الدولارات، وراح ضحيتها آلاف القتلى من الجيش الأمريكي. إنَّها بطولة أن تدفع أمريكا أغلى الأثمان لتحارب الإرهاب والإرهابيين بالنيابة عن العالم.

لكن ماذا عن الأهداف المبطنة من هذه الحرب طويلة المدى؟ ماذا عن الكمِّ الهائل من الثروات التي تحتويها أرض أفغانستان؟ ففيها أغلى الثروات الطبيعية التي لو توافرت في دولة أخرى لم تشهد كل هذه الحروب لكانت من أغنى الدول وأقواها على الإطلاق.

لقد كانت أمريكا منذ تسعينيات القرن الماضي تعمل على خرائط تفصيلية تغطي كلَّ شبر من تراب أفغانستان من حيث الطبيعة الجغرافية، بحيث تتمكن من خلالها من تحديد مواقع توزع النفط والغاز والمعادن الثمينة وتوزع التجمعات السكانية بالإضافة لحجم وجودة ثروات البلاد الطبيعية، بما في ذلك مناطق موارد المياه.

وسعت أمريكا من خلال هذه الحرب لتحقق نتائج استراتيجية كتقليص نفوذ الاتحاد السوفياتي، وزرع قواعد عسكرية لها، وتوسيع نفوذها في المنطقة، وإحكام سيطرتها على أسيا الوسطى، حيث طوقت إيران وجلبت قواتها العسكرية إلى حدود العمالقة الثلاثة: الصين والهند وروسيا. كما اقتربت من نفط بحر قزوين، وأصبحت قادرة على مراقبة القوى النووية الباكستانية عن كثب… أليست هذه مكاسب تستحق المغامرة في أفغانستان؟

ولم تنته قصة الحرب على الإرهاب هنا، فبعد ظهور تنظيم الدولة (داعش) في سوريا، والإعلان عن إقامة دولة الخلافة، في منتصف 2014، بقيادة أبو بكر البغدادي، قامت أمريكا والأمم المتحدة ببدء حملة ضد هذا التنظيم وإدراجه ضمن قائمة الإرهاب، لتبدأ بعدها العمليات العسكرية على مواقع التنظيم في سوريا والعراق، باعتباره الخطر الأكبر على السوريين خاصة وعلى العالم عامة، فهو يقتل الأبرياء ويرتكب الجرائم لذلك يجب القضاء عليه.

نظام الأسد ارتكب بحقِّ السوريين أبشع الجرائم، التي لا تقاس لا كمًا ولا كيفًا مع جرائم التنظيم، فهو من قضى على مئات الآلاف من السوريين ودمر أغلب المدن السورية وشرَّد ملايين السوريين ولم يترك أسلوباً من أساليب التعذيب بحق المعتقلين إلا واتبعه. ذلك كلُّه، منذ انطلاقة الثورة السورية حتى اليوم، ولم تلتفت أمريكا لهذا النوع من الإرهاب فهو إرهاب يتفق مع مصالحها ومرضيٌ عنه.

أما حين ظهر تنظيم الدولة، الذي كان نظام الأسد سببًا رئيسًا في ظهوره، فتركت واشنطن بيت الإرهاب ومنبعه وذهبت لتقضي على نملةٍ خرجت من العشِّ.

 

لا تزال أمريكا تلوِّح بقائمة الإرهاب لكلِّ من يخرج عن مخططاتها ويخالف سياستها، وتبدأ بالضغط عليه تدريجيًا، تارةً باسم الإرهاب وتارةً باسم الديمقراطية، حتى يعود لجادة الصواب الأمريكي.

فإذا وعَدَتكم أمريكا بالديمقراطية فتجهَّزوا للموت والتقسيم والتفجيرات والحرب الأهلية، وإذا وعَدَتكم بتخليصكم من الإرهاب فاقرأوا على بلدكم السلام وتجهَّزوا للتَّشريد والتَّهجير والتَّدمير.

تابعنا على تويتر


Top