«كلشي تصور.. من أول ما طلعت من الحارة لوقت مارجعت»

مروان حامد شربجي.. صوّر كل شيء ثم استشهد

tag icon ع ع ع

في يوم 22 من نيسان عام 2011، الموافق لـ«الجمعة العظيمة»، ظهر أول مقطع فيديو على قناة «الجزيرة» يُظهر عناصر من الأمن والشبيحة العائدين من مهمة قمع المتظاهرين في مدينة داريا (ريف دمشق).

صور المقطع شاب بطريقة سرية وفي مواجهة مباشرة، وجهًا لوجه، وأظهر وجوه معظم العناصر، وتمكن من محاورتهم وكشف بعض ما دار في صدورهم وأسباب قدومهم.

حظي المقطع باهتمام واسع من وسائل الإعلام، واعتُبر أحد أهم المقاطع التي وثقت عمليات القمع في سوريا خلال المراحل الأولى من الثورة، حين كانت أدوات القمع تقتصر على العصي والسلاسل الحديدية.

منذ بداية الثورة، استخدم مروان هاتفه المحمول لتصوير المظاهرات وتوثيق عمليات القمع التي نفذها جنود النظام في داريا، فكان يعلق الهاتف داخل قميصه بطريقة خفية، ما مكنه من التقاط مشاهد نادرة ومهمة.

ولم يكن أحد يعلم ما يفعله مروان تحديدًا خلال مشاركته في المظاهرات، سوى أنه متظاهر كسائر المشاركين، غير أن صوته الذي ظهر في أكثر من مقطع كشف، لمن عرفه، دوره الحقيقي في التغطية الإعلامية، وهو الدور الذي بقي سريًا وغير معلن حتى آخر أيام حياته.

اعتُقل مروان يوم الجمعة 30 نيسان 2011، على حاجز جامع الوهاب في صحنايا، أثناء توجهه إلى المسجد، بعد أن اشتبه عناصر الحاجز باسمه. نُقل حينها إلى معسكرات الفرقة الرابعة في جبال المعضمية، حيث تعرض لألوان من التعذيب على أيدي جنود الفرقة، قبل أن يُنقل لاحقًا إلى سجون المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري، وبقي فيها قرابة شهر.

يقول أحد أقربائه: «عندما اعتُقل مروان كان بحوزته هاتفه المحمول، وقد سجل عليه قبل ليلة أصوات رشقات الرصاص التي كان يطلقها جنود الأسد في المنطقة الغربية من داريا، موثقًا إياها بالزمان والمكان. كنا نعتقد أنه لن يخرج حيًا إذا كُشف أمر تلك المقاطع، لكن تبين بعد الإفراج عنه أنه مسحها قبل دقائق من وصوله إلى الحاجز الذي اعتُقل عنده».

لم يثنِ شهر الاعتقال، رغم قسوته، مروان عن معاودة العمل الثوري بسرية أكبر. قلة فقط كانوا يعلمون بما يقوم به، غير أن نشاطه الأبرز بقي التصوير الميداني، لا سيما في الأوقات الأشد خطورة. فقد بقي في داريا خلال الحملة العسكرية الأولى على المدينة، التي ارتكب فيها النظام مجزرته الكبرى، رغم المخاطر الكبيرة التي أحاطت بالمنطقة التي يقيم فيها. وتمكن من تصوير مشاهد مهمة لمخلفات القصف المكثف الذي استهدف المدينة، كما شارك في أعمال الإغاثة والإسعاف في محيط منطقته التي تعرضت لقصف عنيف.

وخلال الحملة الأخيرة على داريا، رفض مروان الخروج مع النازحين، الذين تجاوزت نسبتهم 90% من سكان المدينة. كان من حوله يتناقصون تدريجيًا، فيما أصر هو على البقاء في منزله ومواصلة العمل الذي اختاره لنفسه في هذه الثورة. سقطت عدة صواريخ قرب منزله، ما أدى إلى إعطاب سيارته وتحطيم زجاج البيت، إلا أن ذلك لم يزده إلا إصرارًا على البقاء.

يقول أحد أصدقائه الذين كانوا برفقته قبل استشهاده: «أثناء القصف كنا مختبئين في الطابق السفلي للبناء، وكان مروان، كلما سقط صاروخ قرب حارتنا، ينهض مسرعًا ويحمل كاميرته. كنت أقول له: لا تذهب، سيقصفون المكان مجددًا، انتظر قليلًا. فيصرخ في وجهي: يمكن يكون في حدا بدو إسعاف، بدي روح شوف وساعدهم وصور الدمار».

ويضيف أحد أقربائه، واصفًا إحدى تلك اللحظات: «قصفت الراجمات الحارة المجاورة بأربعة صواريخ، فتحطمت نوافذ البيت بالكامل. نهض مروان مسرعًا ومعه كاميرته، وبعد عشر دقائق فقط قُصف المكان ذاته بأربعة صواريخ أخرى. صرخنا وبكينا ظنًا أنه قُتل. وبينما كنا نهم بالخروج للبحث عنه، عاد راكضًا، مذهولًا، ثيابه متسخة وملطخة بالدماء، ورأسه أبيض من كثافة الغبار، يتنفس بصعوبة، والكاميرا لا تزال في يده. وبعد صمت قصير قال: أربع صواريخ نزلوا قدامي.. ما بعرف شلون عايش لهلأ.. بس كل شي تصوّر».

قذفته الانفجارات أمتارًا وألقته بين الركام، وظن للحظات أنه انتهى بين الجثث المتناثرة، لكن نجا بأعجوبة، وخرج من تحت الأنقاض والكاميرا لا تزال في يده، فرحًا بما وثقه رغم هول المشهد.

فشلت محاولات أهله وأصدقائه في إقناعه بمغادرة داريا، رغم اشتداد القصف وتدهور الأوضاع المعيشية إلى أقصى حد. لم تكن في منزله كهرباء أو وقود، ولا زجاج يقيه برد الشتاء، ثم انقطع الماء بعد أن أصابت شظايا أحد الصواريخ خزانات المياه على سطح المنزل.

ربط مروان مصيره بمصير عمه عبد الرحيم شربجي (أبو مصعب)، المتمسك بأرضه، وصاحب العبارة التي أصبحت يقينًا لديه: «وُلدت هنا، وعشت هنا، وسأموت هنا».

في يوم الأربعاء 28 تشرين الثاني 2012، استهدفت غارة جوية المنزل الذي كان يتواجد فيه مروان (منزل العائلة) برفقة عمه عبد الرحيم شربجي (أبو مصعب)، وصديقه محمد أنور قريطم (أبو النور)، بصاروخ غير تقليدي يُشتبه بأنه يحمل مواد كيماوية سامة، ما أدى إلى وفاتهم جميعًا. وعُثر على جثثهم يوم الجمعة 30 تشرين الثاني، في أماكن متفرقة من المنزل، في أوضاع تشير إلى معاناتهم الشديدة قبل الوفاة.

استشهد مروان، المصور الميداني الذي آثر العمل بصمت، مختنقًا أو مسمومًا، دون معرفة دقيقة لطبيعة ما حدث. رحل في البيت الذي وُلد وتربى فيه، تاركًا خلفه روايات كثيرة لم تُروَ بعد.

كان قد اتصل قبل يومين من استشهاده بأحد أقربائه، وأخبره أنه يملك مشاهد خطيرة ومهمة للغاية، صورها بكاميرته، ويريد إيصالها إلى جهة موثوقة.. لكن القدر كان أسرع.

مروان حامد شربجي، من مواليد داريا عام 1968، مقاول وصاحب مكتب عقاري في المدينة، متزوج وأب لخمسة أطفال.

حوادث متتالية:

  • 30 نيسان 2011: اعتُقل قرابة شهر لدى المخابرات الجوية.

  • رمضان 2012: دوهمت مزرعته وحطمت محتوياتها وسرق بعضها.

  • تشرين الثاني 2012: سقط صاروخ قرب منزله أعطب سيارته بالكامل.

  • 28 تشرين الثاني 2012: استهدف منزل عائلته بغارة جوية من طائرة «ميغ».

  • 30 تشرين الثاني 2012: عثر عليه شهيدًا بين ركام منزله.




مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة