“الخوذ البيضاء”.. ثماني سنوات على تلبية نداء الاستغاثة الأول

camera iconأحد المتطوعين في "الدفاع المدني" بعد مقتل زملائه في غارة جوية بدوما- 17 من تشرين الثاني 2017-(EPA/محمد بدرا)

tag icon ع ع ع

بينما كان الناس يركضون هربًا من الموت، توجّه متطوعو “الدفاع المدني” (الخوذ البيضاء) نحوه سعيًا لإنقاذ ضحايا الحرب.

مشهد تكرر كثيرًا حوّل المنقذ إلى ضحية في مختلف مناطق سوريا، حيث يمضي عشرات الأشخاص أيامهم بحثًا عن يد تنقذهم من الخطر الذي يلاحقهم في كل مكان.

“إنقاذ حياة الناس”، هذه الغاية التي جمعت آلاف المتطوعين ليؤسسوا فريق “الدفاع المدني” (الخوذ البيضاء)  قبل ثماني سنوات، فمنذ تحوّل مناطق وجود المدنيين في سوريا إلى هدف للعمليات العسكرية من قبل مختلف أطراف الصراع، فرضت الحاجة لوجود فرق إنقاذ على العديد من الأشخاص التوجه للبحث عن طريقة تنظم عملهم.

يوافق اليوم، الثلاثاء 25 من تشرين الأول، ذكرى تأسيس منظمة “الخوذ البيضاء”، التي لم تنقطع عن عمليات الاستجابة الطارئة منذ تأسيسها.

الحاضنة الشعبية أبرز الأسرار

أسهمت المنظمة بإنقاذ آلاف السوريين من تحت الأنقاض وخلال هجوم الكيماوي ومن مختلف أشكال الخطر الذي تعرضوا له.

هذا ما جعل “الخوذ البيضاء” جزءًا من ذاكرة معظم السوريين، ودفع الأهالي لترديد الأغنيات والهتافات تكريمًا للفريق، إلى جانب تكريمهم خلال العديد من المحافل المحلية والدولية.

عنب بلدي أجرت استطلاع رأي في مدينة إدلب وريفها شمل عشرة أشخاص، بعضهم من أهالي المنطقة، وجزء منهم مهجرون من مناطق مختلفة، حول جهود “الدفاع المدني” منذ تأسيسه.

(الدفاع المدني) له بصمة في قلوبنا وحياتنا جميعًا، وكان المستجيب الأول لكل احتياجاتنا الطارئة

لينا المحمد مهجرة من الغوطة الشرقية

وأجمع الأشخاص الذين قابلتهم عنب بلدي على أن فرق “الخوذ البيضاء” كان المنقذ الأول للسوريين، وحاضرًا في مواجهة جميع المخاطر.

مدير منظمة “الدفاع المدني”، رائد الصالح، قال لعنب بلدي، إن من أبرز أسباب استمرارية عمل المنظمة وجود حاضنة شعبية، إذ تحمّل هذه الحاضنة المنظمة مسؤولية الاستمرار بالاستجابة لتلبية حاجات المدنيين.

وأضاف الصالح أن دفاع الأهالي عن المنظمة حين طالبت روسيا بإخراج فرقها من سوريا، وذكرها الدائم في المظاهرات، يعتبر دليلًا على قدرة “الدفاع المدني” على تحقيق أهدافه.

وجود فرق (الدفاع المدني) يُشعر الأهالي بالطمأنينة بسبب استجابتها السريعة وقدرتها على إنقاذ آلاف السوريين

طاهر مصطفى مهجر من حلب

كيف تطور “الدفاع المدني”؟

استطاع فريق “الخوذ البيضاء” مواكبة مختلف الظروف والتعامل مع اختلاف البيئة المحيطة التي تغيّرت مرارًا منذ تأسيسه، إلى جانب تطوّر استجابته من الاستجابة الطارئة إلى عمليات دعم استقرار المدنيين.

وبحسب ما قاله مدير “الدفاع المدني”، رائد الصالح، مرت المنظمة بأربع مراحل إدارية هي: مرحلة الأفراد المدفوعين بـ”الفطرة”، مرحلة الفرق التطوعية بكل منطقة في سوريا بشكل منفرد، مرحلة الانتقال للعمل المؤسسي تحت مظلة وطنية، مرحلة بناء القدرات ووضع خطط استراتيجية.

مرحلة الفطرة

دفعت الحاجة المتزايدة لسد الفراغ الحاصل بعد انسحاب الأجسام الحكومية المجتمع المدني للاصطفاف وتنظيم جهوده من أجل المدنيين ومساعدتهم في جميع الظروف دون تمييز.

مرحلة الفرق

نشأت عدة مبادرات مدنية، وتجمع المئات من المتطوعين معًا، وكانت حادثة منع قوات النظام عام 2012 إحدى فرق الإطفاء في مدينة حلب من الاستجابة لحريق في حي سكني “خارج عن سيطرتها” البذرة الأولى للظهور بشكل علني لأول فريق مختص توجه لإنقاذ المدنيين متجاوزًا قوات النظام.

الانتقال للعمل كمؤسسة واحدة

بحلول عام 2013، بدأت أخبار أعمال الفرق المتطوعة بالانتشار، وسمعت هذه المجموعات ببعضها لأول مرة، لتنشأ قنوات اتصال للتنسيق بين الفرق وتبادل الموارد المحدودة، كما بدأت بعض الفرق بتلقي دورات تدريبية في أساليب البحث والإنقاذ.

وفي 25 من تشرين الأول 2014، كان الاجتماع التأسيسي الأول في مدينة أضنة التركية، وحضره نحو 70 من قادة الفرق في سوريا.

ووضع المجتمعون ميثاقًا للمبادئ الخاصة بالمنظمة لتعمل تحت القانون الإنساني الدولي، وتم الاتفاق على تأسيس مظلة وطنية لخدمة السوريين، وإطلاق اسم “الدفاع المدني السوري” عليها، وشعاره من آية في القرآن الكريم هي: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا”.

ومع بداية عام 2015، أُطلق اسم “الخوذ البيضاء” على “الدفاع المدني السوري، بعد اشتهار الخوذ التي يرتديها المتطوعون في أثناء عمليات البحث والإنقاذ، ووصل عدد المتطوعين عام 2021 إلى نحو ثلاثة آلاف متطوع، بينهم أكثر من 275 متطوعة.

مرحلة بناء القدرات والتخطيط الاستراتيجي

منذ إعلان الميثاق التأسيسي للمنظمة، انتُخبت هيئة إدارية لتعيين المناصب التنفيذية، ومع تطور العمل الإداري في عامي 2016 و2017، كانت الذروة لإعادة هيكلة “الدفاع المدني” لفصل الإدارة التنفيذية عن الإدارة التشريعية.

وفي عام 2019، رسمت المنظمة أربعة خطوط عمل لتطوير العمل الإداري، ووضع خطة استراتيجية أُقرت في 2020 ليعمل “الدفاع” بناء عليها لمدة ثلاث سنوات تنتهي في عام 2023.

وفي عام 2019، قسّمت منظمة “الخوذ البيضاء” عملها إلى برامج، من بينها برنامج “التعافي المبكر” لزيادة خبرة وجاهزية العاملين به، بحسب ما قاله مدير “الخوذ البيضاء”، رائد الصالح.

وإلى جانب إنقاذ حوالي 125 ألف شخص منذ تأسيس المنظمة، قدّم “الدفاع المدني” حوالي 240 ألف عملية خدمية خلال السنوات الثلاث الماضية.

أحد المتطوعين في فرق إزالة الألغام في "الدفاع المدني" (الدفاع المدني)

أحد المتطوعين في فرق إزالة الألغام بـ”الدفاع المدني” (الدفاع المدني)

تنظيم ورؤية تجاوزت “الانتكاسات”

تعرّض “الدفاع المدني” لهجوم متكرر من قبل النظام السوري وحليفه الروسي، الذي حاول تلفيق العديد من التهم لإخراجه من سوريا، أبرزها قصف الكيماوي.

كما جعلت قوات النظام وروسيا مراكز المنظمة هدفًا لعملياتها العسكرية، ما أسفر عن مقتل حوالي 292 متطوعًا منذ تأسيس “الخوذ البيضاء”.

تعرضت المنظمة لكثير من “الانتكاسات” و”الكبوات”، ولكن وجود مركزية بقيادة القرارات الاستراتيجية ولا مركزية في القرارات العملية أسهمت بتجاوز ذلك، بحسب ما يراه مدير “الدفاع المدني”، رائد الصالح.

وأضاف الصالح أن منظمة “الخوذ البيضاء” أولت للتطوير المؤسسي والإداري وتحسين جودة الخدمات اهتمامًا خاصًا، وعملت على تطوير الرؤية والرسالة التي تحملها بما يتماشى مع تطورات ومتغيرات السياق العام.

وتعمل رؤية “الخوذ البيضاء” على إبراز قيم العمل الإنساني، والتوجه الدولي للمنظمة من خلال سعيها إلى إقرار التحول الآمن للمجتمعات، لتكون المنظمة بمنزلة صوت المجتمعات المنكوبة أمام الدول.

وبحسب الصالح، عمل “الدفاع المدني” على تطوير النظام الداخلي على عدة مراحل، أحدثها في العام الماضي، إذ رفع مستوى مشاركة المرأة في الهيئة العامة للمنظمة من 10% حتى 30%، بالإضافة إلى رفع نسبة مشاركتها في مجلس الإدارة من 16% إلى 26%.

وفي أواخر 2016، منحت ألمانيا وفرنسا جائزة “حقوق الإنسان ودولة القانون للمنظمة”، وتسلّم مدير المنظمة، رائد الصالح، الجائزة، حينها، من وزير خارجية ألمانيا، فرانك والتر شتاينماير، ونظيره الفرنسي، جان مارك أيرولت.

وفي العام ذاته، أعلنت مؤسسة “Right Livelihood” السويدية، ومقرها العاصمة ستوكهولم، عن فوز مؤسسة “الدفاع المدني” بجائزة “نوبل البديلة”.





×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة