ما دور التبرعات للمنظمات المدنية في مساعدة ضحايا زلزال سوريا

شاحنة محملة بسلات غذائية في معبر باب الهوى بإدلب، دخلت عن طريق الأمم المتحدة - 10 شباط 2023 (عنب بلدي / محمد نعسان دبل)

camera iconشاحنة محملة بسلات غذائية في معبر باب الهوى بإدلب، دخلت عن طريق الأمم المتحدة - 10 شباط 2023 (عنب بلدي / محمد نعسان دبل)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – محمد فنصة

نشطت حملات التبرع على نطاق واسع، على خلفية الزلزال الذي ضرب سوريا، واستهدفت على وجه الخصوص الشمال الغربي، حيث تنشط منظمات مجتمع مدني غير حكومية.

وفي وقت كانت فيه الجهود والاحتياجات تصب على إنقاذ العالقين تحت الأنقاض، لم يكن واضحًا مصير هذه التبرعات وفي أي مجال ستساعد الضحايا، في حين لم تدخل أي مساعدات عينية لشمال غربي سوريا حتى اليوم الخامس من وقوع الزلزال، ولم تكن أيضًا متناسبة مع حجم الاحتياجات.

تبرعات لا تسهم بالحماية المدنية

مفهوم الحماية المدنية (الدفاع المدني) هو توفير الحماية للمجتمع والممتلكات الخاصة والعامة من الكوارث الطبيعية والبشرية على حد سواء، أو الحد من الخطر الناتج عنها، وذلك باستخدام أدوات الحماية المختلفة. وفي حالة شمال غربي سوريا، تأخذ فرق منظمة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، على عاتقها هذا الدور.

المختص بالإدارة الاستراتيجية لمنظمات المجتمع المدني، الأكاديمي باسم حتاحت، قال لعنب بلدي، إنه في وقت الكوارث الطبيعية، التي تندرج ضمن إطار الحماية المدنية في القانون الدولي الإنساني، يوجد نظام خاص مختلف عن الحالات الطبيعية، وهو ما ليس موجودًا ضمن منظمات المجتمع المدني المحلية.

وقسّم حتاحت الحماية المدنية أوقات الكوارث إلى قسمين، أولها حماية مصابي “الضرر المباشر” من الضحايا، ولا تسهم الأموال التي تجمع حاليًا من التبرعات في إنقاذ الضحايا، وإنما بتأمين مساعدات غذائية أو طبية أو خيام كمأوى للمتضررين.

أما القسم الثاني، وهي “ارتدادات الضرر المباشر”، وهو يختص بفترة ما بعد وقوع الضرر، مثل مصير الضحايا أو المباني المنهدمة، وهو أيضًا غير موجود، وفق حتاحت، ضمن نظام عمل منظمات المجتمع المدني المحلية.

وأشار حتاحت إلى أن المساعدات الفعلية التي يطلبها الدفاع المدني لم تدخل حتى الآن إلى المنطقة، في حين أن المساعدات الغذائية والصحية التي جمعت عبر التبرعات ستكون فائدتها في مقبل الأيام، في حالة شبيهة بتوزيع المساعدات على النازحين قبل وقوع الزلزال.

رابع أيام الزلزال، دخلت أول قافلة أممية مجدولة مسبقًا إلى شمال غربي سوريا عبر معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا، حاملة مساعدات إغاثية وطبية.

وفي اليوم الخامس، دخلت عبر معبري “باب الهوى” و”باب السلامة” الحدوديين مع تركيا، عدد من الشاحنات الإغاثية إلى الشمال السوري، تضمنت مواد إغاثية وغذائية، مصدرها الأمم المتحدة، ومنظمات إغاثية أخرى مثل جمعيات خيرية تركية، وإدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد)، و”الهلال الأحمر القطري”.

وتعد هذه المساعدات، الأولى من نوعها التي دخلت كاستجابة دولية وأممية للزلزال إلى شمال غربي سوريا حيث تسيطر المعارضة، بعد ربط تأخيرها لأكثر من أربعة أيام بأسباب وظروف “لوجستية”.

من تبرعات جمعت في مدينة أربيل العراقية للمنكوبين جراء الزلزال في سورياوتركيا – 8 شباط 2023 (كردستان 24)

غياب التنسيق

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات وروابط للعديد من المنظمات الإنسانية والإغاثية، للتبرع من أجل دعم ضحايا الزلزال، بشكل مستقل ومتوزع بين تركيا وخارجها، منها من لديها فرق عاملة في شمال غربي سوريا.

وانتقد المختص بإدارة منظمات المجتمع المدني باسم حتاحت، غياب التنسيق بين هذه المنظمات في ظل وجود مثل هذه الكارثة والاحتياجات الكبيرة المرافقة لها، وعدم وجود هيئة إغاثية عليا فاعلة بهذا الدور، بجانب الدفاع المدني.

ويؤدي التنسيق بين المنظمات أو وجود هيئة عليا إغاثية إلى توزيع التبرعات وفق أهم الاحتياجات، مثل تأمين آليات ومعدات تساعد في الإنقاذ مثل أجهزة التنصت والكاميرات، أو تأمين أماكن لإيواء المتضررين، وفي مرحلة لاحقة تشكيل لجان تكشف عن الأضرار.

وأشار حتاحت، على سبيل المثال، إلى خطورة وضع السدود المتأثرة بالزلزال التي يمكن أن يسبب تهدمها كوارث أخرى.

وشهدت قرية التلول حركة نزوح جراء هدم المياه سواتر ترابية كانت مجهزة لمنع فيضان مياه نهر العاصي، إذ ارتفع منسوب النهر ليغمر الأراضي الزراعية المجاورة وتدخل المياه بيوت القرية.

وعزا وزير الزراعة والري في حكومة “الإنقاذ”، محمد الأحمد، ارتفاع منسوب المياه إلى فتح سد “الرستن” من قبل النظام السوري، إلى جانب انهيار سد بيتوني بين أنطاكيا والريحانية في تركيا.

وأبرز حتاحت أهمية الوصول إلى اتفاق مع الهيئات الأممية للدخول إلى الشمال السوري على جمع التبرعات، موضحًا أن آلية دخول المساعدات للمنطقة هي آلية أممية دورية معتمدة، وبالتالي في حال وصول لاتفاق مع هذه الهيئات يقضي بسماح دخول منظمات المجتمع المدني، يمكن حينها للأخيرة تلقي دعم أممي ضروري يصعب على التبرعات جمعه مثل الآليات الثقيلة، وصرف التبرعات في الجهة الإغاثية.

وفي 10 من شباط، أصدر مجموعة من كبار المحامين الدوليين وخبراء القانون وقضاة سابقين في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، رسالة توضح أن استمرار مرور المساعدات عبر الحدود إلى سوريا قانوني دون تفويض من مجلس الأمن.

وجاء في الرسالة، أن النزاع في سوريا يخضع للمادة المشتركة الثالثة لاتفاقيات “جنيف” لعام 1949، والتي صادقت عليها سوريا، ما يسمح بإجراء مفاوضات الوصول بين الهيئات الإنسانية المحايدة وجميع الأطراف بما في ذلك غير الحكومية دون إذن الحكومة المركزية في حالة النزاعات المسلحة غير الدولية.

واعتبرت الرسالة أن رفض السماح بالمساعدات عبر الحدود غير قانوني، خصوصًا عندما يكون تعسفيًا، وأن المنظمات غير الحكومية يمكنها الاستمرار في تقديم المساعدة عبر الحدود بموجب قواعد القانون الدولي العام ذات الصلة.

مصاعب التبرعات

تقع مناطق سيطرة المعارضة في إدلب وريف حلب ضمن حيز جغرافي محدود دون منفذ بحري أو جوي، وبعد حدوث الزلزال فجر الاثنين الماضي أغلقت جميع المنافذ البرية من الجانب التركي، وفي اليوم التالي أكدت المعابر أنها مفتوحة أمام الحركة الإغاثية والإنسانية.

وانتقد “الدفاع المدني”، يوم الجمعة الماضي، غياب المساعدات الدولية وعدم اكتراث المجتمع الدولي بالنداءات الإنسانية التي أطلقها خلال فترة الاستجابة.

وأضاف أن الفرق استنفذت كل الطاقات المتاحة في عمليات البحث والإنقاذ خلال خمسة أيام، جرّاء غياب الاستجابة الدولية للمناشدات التي أطلقها “الدفاع المدني”.

المختص بإدارة منظمات المجتمع المدني باسم حتاحت، أفاد بأن 60 إلى 70% من كوادر منظمات المجتمع المدني في جنوب تركيا والداخل السوري قد تضررت بفعل الزلزال، ما يعني وجود “مبالغ كبيرة تقتطع من التبرعات لإصلاح هذه الأضرار”، وأضاف حتاحت أنه خلال أول أربعة أيام بعد الزلزال كانت التحويلات المالية من تركيا إلى الداخل السوري “متوقفة”.

وركّز حتاحت على أهمية وجود الشفافية المالية لدى المنظمات في حالات الكوارث، لكي يكون عطاؤها على أرض الواقع قابل للتقييم، وهو ما ليس موجودًا لدى معظم المنظمات المحلية.

ومن أهم المعوقات التي تمنع الأشخاص الآمنين من التبرع لمناطق ضحايا الزلزال باختلاف جهة السلطات المسيطرة، بحسب حتاحت، عدم وجود هيئة رقابية تجعل الناس تطمئن أن الجهة المحول لها عندها برامج مساعدة حقيقية وقابلة للتنفيذ.

والعائق الثاني الفوضى التي ارتبطت بموضوع المساعدات الدولية، وضغط جهات إنسانية للسماح بتدفق المساعدات إلى مناطق سيطرة النظام، وهو ما يؤهله لقيادة موضوع التبرعات، مع العلم بتاريخ النظام في سرقة المساعدات.

ويرى الأكاديمي باسم حتاحت أنه يجب أن تنشئ هيئة إغاثية عليا بأسرع وقت، تشرف على آثار الزلزال ومتطلبات التعافي المبكر، حتى تكون معتمدة لدى الجهات الدولية، دون أن يكون التوجه النظام للاستحواذ على المساعدات، في ظل إرسال العديد من البلدان العربية المساعدات وفرق إنقاذ إلى مناطق نفوذه.

وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الأربعاء الماضي، أن الاتحاد الأوروبي يعتزم استضافة مؤتمر للمانحين مطلع آذار المقبل في بروكسل، لجمع مساعدات دولية لسوريا وتركيا بعد الزلزال المدمّر الذي ضربهما.

وتعاني مناطق شمال غربي سوريا ترديًا في واقعها المعيشي والاقتصادي، إذ ارتفع عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية (قبل الزلزال المدمر) إلى 14.6 مليون شخص، بزيادة قدرها 1.2 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 15.3 مليون شخص في العام الحالي.

كما بلغ عدد السكان الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في شمال غربي سوريا خلال عام 2022 نحو أربعة ملايين و600 ألف شخص، بينهم ثلاثة ملايين و300 ألف يعانون انعدام الأمن الغذائي، ومليونان و900 ألف نازح داخليًا، بحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).



English version of the article


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة