تغير المناخ والكوارث البيئية المنسية في سوريا

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

ظهرت آثار تغير المناخ في سوريا منذ 20 سنة، وتجلت بقسوة الجفاف بين عامي 2006 و2010، وتراجع نسب المياه السطحية مثل نهر “بردى”، وشهدت 60 عاصفة رملية كبيرة أزالت التربة السطحية، وانتشر التصحر الذي أثر على المجتمعات الزراعية وأفقر المجتمعات الرعوية، ما أدى إلى نزوح مليون ونصف المليون شخص داخليًا في عام 2006، مع استفحال الفساد وسوء الحوكمة وتجاهل النظام معالجة التحديات البيئية المتفاقمة، كتلوث الهواء في المدن بسبب الانبعاثات الصناعية وتدني نوعية المحروقات، والأثر السلبي الذي لحق بالأراضي الزراعية، بسبب المواد الكيماوية من أسمدة ومبيدات حشرية، وتآكل التربة، والرعي الجائر، وغيرها.

صدرت عديد من التشريعات لحماية البيئة لكنها بقيت بعيدة عن حيز التنفيذ بسبب تغوّل الفساد والحفاظ على مصالح الطبقة “الأوليغارشية” الحاكمة. يشير المجلس الدولي للحبوب إلى أن صادرات القمح السورية كانت عند مستوى الصفر قبل عام 2006، لكنها قفزت في العام نفسه إلى 1.1 مليون طن، وفي العام الذي تلاه تراجعت الصادرات إلى 200 ألف طن. ذكرت صحيفة “أتلانتك” (Atlantic) أن ما حصل في 2006 هو بيع لمخزون الدولة الاحتياطي الاستراتيجي من القمح الذي طالما افتخرت سوريا به، وعليه يجدر السؤال، أليس هذا تفريطًا بالسيادة الغذائية، وقراءة غير دقيقة لتأثر الناس بموجات الجفاف التي دفعت سوريا فيما بعد إلى استيراد القمح لإبقاء المواطنين على قيد الحياة؟

بعد ثورة 2011، ازدادت الكوارث البيئية بسبب لجوء النظام للحسم العسكري، فقطع الأشجار لأسباب ميدانية، ودمر الأعيان المدنية كالمستشفيات والمنازل والمدارس والمزارع والمخابز وغيرها من البنى التحتية للانتقام من السكان الذين ثاروا ضده، وجرف حقولًا زراعية (متل غوطة دمشق- حقول نبات الصبار) ومساحات من النباتات البرية، ووضع القناصين حول البلدات، وحاصر المدن لحرمان الناس من الجمع والالتقاط في محاولة لتهديد أمنهم الغذائي وتجويعهم، وقد دفع الحصار الذي عاشه الناس في عدة مناطق إلى قطع الأشجار للتدفئة، وطبخ الأعشاب البرية التي تنبت بين البيوت، الأمر الذي أدى إلى تدمير وإفراغ مناطق واسعة من أهلها بين لجوء ونزوح، كما استخدم “التحطيب الجائر” الواسع النطاق في عفرين خلال العملية العسكرية المسماة “غصن الزيتون” رغم حظره في القانون الدولي الإنساني.

أثّر الاستخدام الكثيف للأسلحة المتفجرة والمواد الكيماوية المحظورة دوليًا على صحة التربة، ولوّث المياه السطحية والجوفية، ومع اشتداد النزاع العسكري، حُرمت عدة مناطق من سبل الحياة والخدمات، فلجأ أهلها إلى خلق بدائل، مثل “الحراقات” البدائية لتوليد الطاقة، وهي من أسوأ أشكال حرق النفط، ولها عواقب كارثية بيئية وصحية، وبالوقت نفسه استمر تغير المناخ الذي تجلى بندرة هطول الأمطار، والجفاف وانحسار الغطاء النباتي، وازدياد العواصف الرملية، وتمدد ظاهرة التصحر والتفاوت بدرجات الحرارة.

تفاقمت الأضرار البيئية مع تبعات تغير المناخ خلال النزاع، وانعكست على توفر المياه وجودتها، ومع تدمير عدد من مرافق المياه وتعذر إجراء الصيانة اللازمة لها، يعاني السوريون والسوريات نقصًا في مياه الشرب بنسبة 40% أقل مما كانت عليه قبل عقد من الزمن. كما أدت صعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب إلى تفشي داء “الكوليرا” بسبب المياه الملوثة أو الطعام أو الصرف الصحي، وانتقل الداء من شمال شرقي البلاد إلى المدن بسبب اعتماد المزارعين والمزارعات على مياه الأنهار غير المعالجة.

ثمة قواعد وتوصيات متعلقة بحماية البيئة خلال النزاعات المسلحة في إطار القانون الدولي الإنساني، لأن أضرارها واسعة الانتشار وطويلة الأمد وتمتد آثارها السلبية لأجيال متلاحقة، ومع تغير المناخ، تزداد الروابط بينها وبين زيادة معدل الهجرة واللجوء والفقر واستمرار النزاعات أو نشوبها، وحين تتضافر هياكل اللاعدالة والفقر وصعوبة الوصول إلى الموارد، والقوانين المجحفة في ظل النظام الأبوي و”النيوليبرالي”، تزداد هشاشة النساء بتنوعاتهن.

عالميًا، يتم الانتقال نحو اقتصاد مرن للمناخ ومنخفض الكربون، ويقتضي الانتقال العادل للعمال، رجالًا ونساء بتنوعاتهن، إيجاد عمل لائق لهم بعد التشاور معهم ومع نقاباتهم، والتركيز على العدالة الاجتماعية، كما يقتضي الاتجاه نحو اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئيًا، والسعي لتأمين فرص عمل جديدة قائمة على استثمارات سليمة في القطاعات والتقنيات المنخفضة الانبعاثات، وبناء تحالفات بين الحركات العمالية وحركات العدالة الاجتماعية والبيئية المتنوعة.

يحتاج الانتقال العادل في سوريا إلى تغيير جذري في بنية الدولة، وعدالة انتقالية تحولية للتغلب على النزاع وكسر دوامات العنف والإفلات من العقاب، واقتصاد نسوي يدرس أثر السياسات الاقتصادية على الناس وتجاربهم، ويعالج القضايا البيئية والاقتصادية بشكل تقاطعي مع القضايا الاجتماعية والسياسية باعتبارها مجالات متشابكة في الفهم والتحليل والأثر والحلول المستدامة.





×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة