الرجل الثاني في "الهيئة"

تجميد مهام “القحطاني” يحرّك صراعًا داخل “تحرير الشام”

camera iconالرجل الثاني وأحد مؤسسي "جبهة النصرة" في سوريا أبو ماريا القحطاني (تعديل عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – حسن إبراهيم

ضربت رياح “العمالة والاختراق والتواصل مع جهات معادية داخلية وخارجية” صفوف “هيئة تحرير الشام” المسيطرة عسكريًا على إدلب، لتطيح بالرجل الثاني في “الهيئة” وعضو مجلس الشورى، ميسر بن علي الجبوري (الهراري) المعروف بـ”أبو ماريا القحطاني”.

وأصدرت “تحرير الشام”، التي يقودها “أبو محمد الجولاني”، بيانًا نص على تجميد مهام وصلاحيات “القحطاني”، ما أبقاه خارج حسابات “الهيئة” ولو مؤقتًا، وأظهر شرخًا عميقًا في رأس هرم الفصيل، تبعه حديث عن صراع بين تيارات ومكوّنات الصف الأول.

بيان حمل لهجة “لطيفة خفيفة الحدة”، مقارنة ببيانات “الهيئة” بحق قياديين سابقين إثر خلافات سابقة معهم أو اعتراضهم على سياسات “تحرير الشام”، أمثال الشرعي السابق في صفوف “الهيئة” طلحة الميسر المعروف بـ”أبو شعيب المصري“.

مصير مجهول يحيط بـ”القحطاني” بعد تجميد صلاحياته، خاصة أنه من مؤسسي “الهيئة” (“جبهة النصرة” سابقًا) وصانع قرار فيها، ويدير ملف قتالها لتنظيم “الدولة الإسلامية”، ويشارك في ملفات توسع “تحرير الشام” باتجاه أرياف حلب.

تجميد مهام “القحطاني” كان الأبرز والحلقة الكبرى التي كُشفت من مسلسل قضية “العمالة”، كما أن وجود قياديين من “الهيئة” في سجونها لنفس الاتهامات، يتناقض مع رواية “تحرير الشام” بأن “العمالة” كانت من عناصر ومنتسبين جدد لصفوفها.

ما القصة؟

بعد أشهر من الحديث عن اختراقات كبيرة في صفوف “تحرير الشام” والتعامل مع جهات خارجية وداخلية، منها النظام وروسيا والتحالف الدولي، وكشف “الهيئة” عن بعضها والتكتم على بعضها الآخر، أصدرت، في 17 من آب الحالي، بيانًا نص على تجميد صلاحيات ومهام “أبو ماريا القحطاني”، بسبب “خطئه في إدارة تواصلاته دون اعتبار لحساسية موقعه”، حسب قولها.

وقالت “الهيئة”، إنها جمّدت صلاحيات ومهام “القحطاني” بعد استدعائه لورود اسمه في بعض التحقيقات، وذكرت أنها ساءلته بكل “شفافية ووضوح” تقديرًا منها لدرء الشبهات وإزالة اللبس، وتبين للجنة التحقيق أن ” القحطاني” أخطأ في إدارة تواصلاته دون اعتبار لحساسية موقعه أو ضرورة الاستئذان وإيضاح المقصود من هذا التواصل، وفق قولها.

ولم توضح “الهيئة” أي تفاصيل عن طبيعة هذه التواصلات ولا الجهات التي يتواصل معها.

وتأكدت عنب بلدي من اعتقال بعض الأسماء التي أوردتها وسائل إعلام وقياديون منشقون عن “تحرير الشام”، قبل أشهر، ومن بينهم شخصيات تشغل مناصب حساسة في “الهيئة” على مستوى الإدارة والعسكرة، ومقربون من قيادات الصف الأول ومن الشرعيين.

ولم تذكر “الهيئة” العدد الكلي لـ”العملاء” وماهية المعلومات المسربة، في حين وصل عددهم إلى 220 معتقلًا، وفق ما نشره القيادي السابق في “تحرير الشام” والمنشق عنها صالح الحموي، وحسابه المعروف بـ”أس الصراع في الشام“، لافتًا إلى أنه ليس كل معتقل متورطًا، إنما هناك تصفيات وخصومات داخلية.

وفي منشور آخر قال الحموي، إنه تم تسريب حوالي 72 ألف ملف بطاقة شخصية من البطاقات الجديدة التي تصدرها حكومة “الإنقاذ” إلى النظام السوري.

“الهيئة” تناقض نفسها و”القحطاني” أيضًا

تجميد مهام وصلاحيات “أبو ماريا القحطاني” يثبت عكس رواية “تحرير الشام” بأن “العملاء” ضمن صفوفها هم عناصر جدد انتسبوا إليها، ويثبت عكس ما تحدث عنه “القحطاني” نفسه بأن  وجود “عمالة” في جماعة ما أمر “ليس معيبًا”.

وفي 30 من تموز الماضي، قال المتحدث باسم “جهاز الأمن العام “العامل في إدلب، ضياء العمر، إن “خلية العملاء” التي اعتقلها هي عناصر منتسبون بينهم شخصيات تتبع لـ”تحرير الشام”، وشخصيات مدنية وفي فصائل عسكرية وبحكومة “الإنقاذ”.

وذكر العمر أن المتورطين يتبعون للمخابرات الروسية وأفرع النظام، ويتلقون الأوامر بشكل مباشر منهم، وبعضهم لديه تواصل مع جهات خارجية (لم يسمِّها)، لافتًا إلى أن التحقيق لا يزال مستمرًا.

من جهته، اعتبر “القحطاني” أنه ليس من المعيب أن “يكشف أهل الإيمان في أحد جيوشهم عينًا للأعداء، وأن تطهير أي جماعة لصفها من فرد تدور حوله شبهات لهو دليل طهر وصدق”، وفق ما ذكره عبر “تلجرام” في 10 من تموز الماضي.

حديث عن صراع وتصفيات داخلية

ذكرت حسابات تتبع لقياديين معارضين لـ”تحرير الشام” ومنشقين عنها، أن “الهيئة” تشهد صراعًا بين تيارَين داخلها، الأول داعم لـ”أبو ماريا القحطاني” يضم كتل المنطقة الشرقية وعلى رأسها الشرعي في “الهيئة” مظهر الويس.

أما التيار الثاني فهو ناقم على “القحطاني”، ويضم قياديي الصف الأول “أبو أحمد حدود”، ورئيس المجلس الشرعي في “تحرير الشام”، عبد الرحيم عطون (أبو عبد الله الشامي).

من جهتها، اعتبرت “تحرير الشام” في بيان تجميد الصلاحيات أن الأخبار المتناقلة عن “القحطاني” كانت مضخمة، وتصب في سياق “التضليل والاستهداف المنظم الميداني والإعلامي” ضد الثورة.

وشكّلت “الهيئة” لجنة تحقيقات وصفتها بـ”الخاصة” وفق البيان، وذكر مصدر عسكري في “تحرير الشام” لعنب بلدي، أن اللجنة ضمت أمنيين وقياديين عسكريين وشخصيات إدارية، ورفض المصدر الإفصاح عنها، أو تحديد ما إذا كان “الجولاني” فيها.

قياديون وشرعيون منشقون عن “تحرير الشام” ذكروا أن القيادي في “الهيئة”، “أبو عبيدة منظمات”، كان رئيسًا للجنة التحقيق وبصلاحيات واسعة.

الأمر الذي أجج الخلاف، هو أن تيار أنصار “القحطاني” يرى أن “أبو عبيدة” محسوب على التيار الثاني (الحاقد على القحطاني)، ووجهوا اتهامات لرئيس اللجنة بالتلاعب لإدانة “القحطاني”.

وقال القيادي السابق في “الهيئة” والمنشق عنها صالح الحموي، قبل بيان تجميد الصلاحيات بيوم، إن ما يحدث هي تصفيات داخلية خرجت عن سيطرة “الجولاني”، فلو كانت لـ”القحطاني” علاقة بخلايا “التحالف” لكان هرب منذ أشهر عندما كُشفت أول خلية، وذكر أن كتلة مدينة بنش (في الهيئة) جهزت ملفًا فيه اعترافات من عناصر بعضهم محسوب على “القحطاني” أغلبها تلفيق ليوقعوه وهذا ما تم، وأن قطاع الشرقية تخلى عنه.

“العواقب وخيمة”

لم تفصح “تحرير الشام” عن تاريخ اعتقال “القحطاني” أو التحقيق معه، أو ما إذا كان معتقلًا أو خارج أسوار سجونها، أو تحت “الإقامة الجبرية”، في حين أن “القحطاني” غائب عن النشر عبر معرفاته الشخصية منذ 12 من آب الحالي، إذ نشر بأنه مريض، بعد غياب 15 يومًا على النشر وهو أمر غير معتاد منه.

وقال القيادي السابق في “الهيئة” والمنشق عنها صالح الحموي، إن ‏اعتقال “القحطاني” صحيح، وتم في 15 من آب الحالي.

“القحطاني” مصاب بمرض سرطان الدم وحالته زادت سوءًا مؤخرًا، وفق قياديين، وبحسب ما كتبه الباحث في معهد “الشرق الأوسط” تشارلز ليستر.

وقال ليستر عبر تطبيق “إكس” (تويتر سابقًا)، إن “أبو ماريا القحطاني” لم يمت، رغم تدهور حالته الصحية بشكل ملحوظ في الأيام الماضية، وسط مشكلاته الداخلية مع “الهيئة” وإقالته من الأدوار القيادية، وإن مصيره ليس معروفًا لكن “العواقب وخيمة”.

الباحث ومدير تحرير مجلة “نيولاينز“، حسن حسن، وهو مؤلف كتاب عن تنظيم “الدولة الإسلامية”، قال تعليقًا على تجميد مهام “القحطاني”، إن التنظيم يحتفل بما يحدث، والتوقيت ممتاز له خاصة بعد أسبوع من تهديده (التنظيم) لـ”تحرير الشام”.

وأضاف حسن عبر تطبيق “إكس” أن “الهيئة” تغامر مغامرة جديدة وخطيرة، بتقييد أبرز رجالاتها وإقصائه، وتغامر بسبب مهم من أسباب نجاح سياستها في السنوات الماضية، وسبب استقرار أمورها في الشمال وحتى دوليًا.

وذكر حسن أنه كان من الممكن أن يصبح تنظيم “الدولة” أكثر خطورة وعمقًا في شمالي سوريا لولا “القحطاني” وشبكته، لأن التنظيم فعل كل شيء للوصول إليه، وألقى باللوم على “هيئة تحرير الشام” في مقتل زعيمها الرابع وفق بيان مطلع آب الحالي.

من “أبو ماريا القحطاني”؟

“أبو ماريا” و”أبو الحمزة” هو ميسر بن علي الجبوري القحطاني، الملقب بـ”الهراري” نسبة إلى قرية هرارة العراقية، التي انتقل إليها من قرية الرصيف بعد ولادته فيها عام 1976.

وشارك “القحطاني” في تأسيس “جبهة النصرة” (“تحرير الشام” حاليًا) في تشرين الأول 2011، بعد ثماني سنوات من عمله داخل تنظيم “القاعدة” في العراق، وصار نائبًا لزعيمها “الجولاني”.

وعمل “القحطاني” شرعيًا في “النصرة” و”أميرًا” للمنطقة الشرقية من سوريا مع بداية العمل المسلح عام 2012.

ويُعرف “القحطاني” الحاصل على دبلوم في الإدارة من جامعة “بغداد”، وبكالوريوس في الشريعة، بعدائه للتنظيم الذي يهاجمه باستمرار.

وتتلمذ على يد مشايخ أبرزهم “أبو عبد الله المياحي” والشيخ فارس فالح الموصلي، كما أجازه الشيخ عبد الرزاق المهدي، الذي انشق عن “تحرير الشام”، ثم عمل مستقلًا في كانون الثاني 2017.

منذ عام 2016، وعلى الرغم من كونه عراقيًا، كان “القحطاني” من أبرز المدافعين عن “إصلاح (النصرة) وتوطينها”، ولم يحافظ فقط على عدائه الصريح لتنظيم “الدولة” بل أصبح ناقدًا صريحًا لـ”القاعدة“.

بعد معارك درعا توجه “القحطاني” إلى إدلب، في عملية انتقال غامضة أثارت استغراب كثيرين، لأنه لا طريق بين المحافظتين إلا بالمرور من مناطق سيطرة النظام السوري.

وقال ناشطون حينها إن الطريق كان مرورًا بإزرع ثم درعا إلى إدلب، بصفقة توسط فيها أشخاص من دير الزور ودمشق.

في السنوات الماضية، شارك “القحطاني” مع القيادي في “الهيئة” جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور) في قيادة “جهد سري” لتوسيع نفوذ “تحرير الشام” في أرياف حلب، من خلال التفاوض والتوسط في ترتيبات مواتية مع الفصائل “المرنة” في “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا.





×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة