مع ارتفاع أسعار المواد 

مؤونة “المكدوس”.. عائلات تغير المحتوى وأخرى تخفض الكمية

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – جنى العيسى

زارت يارا (36 عامًا) من سكان مدينة اللاذقية، مطلع آب الماضي، سوق الخضار في حي قنينص باللاذقية، لشراء مواد إعداد مؤونة “المكدوس”، إلا أن الأسعار المرتفعة حينها لم تساعدها على ذلك، ما جعلها تؤخر قرارها بإعداد المؤونة هذا العام لحين انخفاض الأسعار.

وكان حينها سعر كيلو الباذنجان 2500 ليرة سورية، والفليفلة بين 3000 و3500 ليرة، فيما وصل سعر الجوز إلى نحو 95 ألف ليرة، وليتر زيت الزيتون إلى 50 ألف ليرة، وكيلو الثوم إلى 22 ألف ليرة.

مطلع أيلول الحالي، لم تتحقق توقعات السيدة بانخفاض الأسعار، بل على العكس زادت بنسب مختلفة، جعلتها تحجم تمامًا عن فكرة إعداد “المكدوس”، إذ ارتفع سعر الباذنجان اليوم إلى 3300 ليرة، والفليفلة بين 4000 و6000 ليرة، والجوز إلى 130 ألف ليرة، وليتر زيت الزيتون إلى 75 ألف ليرة.

ووفق موقع “الليرة اليوم” المتخصص بأسعار صرف العملات الأجنبية، سجل سعر مبيع الدولار 13750 ليرة سورية، وسعر شرائه 13550 ليرة.

تراجع وجود عديد من المواد الغذائية على موائد السوريين خلال السنوات الماضية على اختلاف مناطق السيطرة، بسبب ما يعانونه من تراجع مستوى المعيشة والدخل، وعدم القدرة على تلبية عديد من الاحتياجات الأساسية.

مؤونة “المكدوس” على أهميتها في البيوت السورية لم تعد تلقى الإقبال نفسه، بسبب ارتفاع أسعار المواد الداخلة بصناعتها من باذنجان وفليفلة وزيت وثوم وجوز، ما أجبر عديدًا من العائلات على التخلي عن إعداد مؤونتها من المادة، أو تعويض مواد بمواد أخرى أقل تكلفة.

وبسبب غلاء زيت الزيتون تلجأ عديد من العائلات لإبدال الزيت النباتي به، فيما قد تفضّل بعض السيدات حشو “المكدوس” بالفستق عوضًا عن الجوز بسبب فرق السعر بين المادتين.

البحث عن بدائل

هالة المحمد (56 عامًا)، سيدة تقيم في ريف درعا الغربي، قالت لعنب بلدي، إنه لا غنى عن صناعة “المكدوس”، فهو مادة رئيسة على وجبة الإفطار، ولكن نظرًا إلى التكلفة العالية ستخفض كميات المؤونة هذا العام عن كميات السنة السابقة، إذ أعدت في العام الماضي ما يقارب 200 كيلوغرام من الباذنجان، بينما ستعد هذا الموسم 100 كيلو فقط.

غلاء أسعار زيت الزيتون ووصول سعر التنكة (16 ليترًا) إلى نحو مليون ليرة سورية، أجبر السيدة على الاستعاضة عنه بالزيت النباتي، لانخفاض سعر الليتر منه لنحو النصف تقريبًا مقابل ليتر زيت الزيتون.

ومن الأمور التي تنوي هالة الاعتماد عليها، بهدف تخفيض تكلفة مؤونة “المكدوس”، استخدام الجوز من الدرجة الثالثة من حيث الجودة، إذ يوجد في أسواق المدينة ثلاثة أصناف تختلف جودتها، يباع أفضل نوع منها بـ100 ألف ليرة سورية للكيلو الواحد، وبـ85 ألف ليرة للنوع المتوسط، وبـ70 ألف ليرة للنوع الأقل جودة.

وشهدت أسعار مبيع مادة الثوم ارتفاعًا ملحوظًا، إذ وصل سعر الكيلو إلى 30 ألف ليرة سورية، في حين كان لا يتجاوز سعره العام الماضي نحو خمسة آلاف ليرة.

بشرى (46 عامًا)، مدرّسة تعيش في صلنفة بريف اللاذقية، قررت أيضًا تخفيض كمية المؤونة هذا العام إلى النصف، إضافة إلى تغيير محتوياتها والتلاعب بها، بحسب ما قالته لعنب بلدي.

استبدلت السيدة بالجوز “فستق العبيد” الذي يتراوح سعر الكيلو الواحد منه بين 40 ألفًا و50 ألف ليرة، وبزيت الزيتون الزيت النباتي وسعر الليتر الواحد يتراوح بين 23 ألفًا و30 ألف ليرة، وهو ما يمكن أن يخفض التكلفة قليلًا.

تفكر بشرى بإعداد 25 كيلو عوضًا عن الـ50 كيلو التي أعدّتها العام الماضي، معربة عن تخوفها من عدم تقبل عائلتها لطعم “المكدوس” بـ”فستق العبيد” وهم الذين اعتادوه بالجوز.

سهيل (35 عامًا)، مزارع بريف درعا الغربي، يبيع محصوله من الباذنجان والفليفلة الحمراء كل عام للسكان بشكل مباشر، دون الحاجة إلى طرحه في الأسواق.

وأوضح المزارع لعنب بلدي أن الإقبال على شراء مواد “المكدوس” هذا العام أضعف من الأعوام السابقة، بسبب ارتفاع الأسعار، إذ يصل سعر كيلو الباذنجان والفليفلة إلى نحو ثلاثة آلاف ليرة سورية.

“مفاضلة مرّة”

وقع وائل (42 عامًا)، وهو مهندس في إحدى المؤسسات الحكومية بمدينة اللاذقية، أمام “مفاضلة مرّة” كما وصفها، فالمبلغ الذي ادخره من عمله الجزئي يكفي إما مستلزمات طفليه للمدرسة، وإما مؤونة “المكدوس”، فوقع الخيار على مستلزمات المدرسة، “وبلاها مونة المكدوس هذا العام، لأن المكدوس ما بقى إلنا نحن المسحوقين بهالمجتمع”، قال الرجل الأربعيني لعنب بلدي.

أعدّت عائلة وائل العام الماضي 25 كيلو باذنجان، بتكلفة لم تتجاوز 150 ألف ليرة حينها، واليوم إن أرادت العائلة إعدادها، فإن تكلفتها ستفوق الـ500 ألف ليرة سورية، كما أوضح المهندس.

الحوالة تنقذ الموقف

قررت إلهام (48 عامًا)، وتعمل مدبرة منازل في اللاذقية، إلغاء فكرة إعداد مؤونة “المكدوس” هذا العام، فهي أم لأربعة يافعين ولا معيل لأسرتها سواها بعد وفاة زوجها، وما تحصل عليه بالكاد يكفي ثمن طعام يومهم، بحسب ما قالته لعنب بلدي.

قبل أيام تلقت السيدة اتصالًا من إحدى زبوناتها التي تطلبها للعمل لديها كلما جاءت في إجازة الصيف من مكان إقامتها في دولة الإمارات حيث تعمل هناك، وطلبت منها أن تجهز لها مؤونة “المكدوس”، وسترسل لها حوالة مالية تكفي أجرتها إضافة إلى إعداد مؤونة المكدوس للعائلتين معًا.

“كانت ساعة فرج”، تصف إلهام الموقف، وقالت إنها حصلت على حوالة بقيمة 3 ملايين و250 ألف ليرة، فاشترت 100 كيلو باذنجان 50 للسيدة المغتربة و50 لها، وبدأت تحضيراتها لإعداد المؤونة.

وبعد أحدث زيادة منتصف آب الماضي، وصل الحد الأدنى للرواتب للعاملين بالقطاع العام في مناطق سيطرة النظام السوري إلى 185940 ليرة سورية، فيما يبلغ متوسط تكلفة المعيشة نحو 55 ضعف الحد الأدنى، وفق إحصائيات وتقارير متخصصة.

وخلال آب الماضي، تجاوز متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، بحسب “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة”، حاجز 10.3 مليون ليرة سورية، فيما وصل الحد الأدنى لتكلفة المعيشة إلى نحو ستة ملايين ونصف مليون ليرة.

مؤونة الباذنجان فقط

الوضع المعيشي في مناطق سيطرة النظام لا يختلف كثيرًا عن الوضع في الشمال الغربي والشمال الشرقي من سوريا، حيث تختلف الجهات المسيطرة.

وتتأثر المعيشة بمستوى الدخل من جهة، وارتفاع الأسعار الذي يلاحق الجميع تأثرًا بعديد من العوامل، أبرزها قيمة العملة التي يجري التعامل بها.

كلستان درويش، من سكان مدينة القامشلي، ربة منزل وأم لأربعة أطفال، قالت لعنب بلدي، إن عائلتها تعتمد على راتب زوجها الذي يعمل سائقًا في هيئة البلدية.

قالت كلستان، إنها كانت في السنوات السابقة تعد “المكدوس” بكميات وفيرة، لكن في هذا العام سوف تقوم بإعداده وتحضيره بشكل مختلف، ولن تتمكن من إعداد أكثر من 25 كيلو من الباذنجان.

أوضحت كلستان أنها ستشتري كمية الباذنجان كاملة هذا الشهر، وتسلقه وتجمده في ثلاجة المنزل، وذلك للاحتفاظ به أطول فترة ممكنة دون حشوة، موضحة أنها ستنتظر تحضير الحشوة على مراحل لأشهر مقبلة لحين انتهاء الموسم.

سعيد ملا خليل، تاجر خضراوات في سوق الخضار بمدينة القامشلي، قال لعنب بلدي، إن الإقبال على شراء الباذنجان هذا العام أقل من الأعوام الماضية، مرجعًا الأمر لارتفاع الأسعار.

ويصل متوسط سعر كيلو الباذنجان لنحو خمسة آلاف ليرة سورية، وسعر كيلو الجوز لنحو 140 ألف ليرة، و25 ألف ليرة للكيلو الواحد من الفليفلة الحمراء في أسواق المدن المختلفة بشمال شرقي سوريا.

ويعيش سكان المنطقة أوضاعًا معيشية متردية أسوة بمناطق النفوذ المختلفة على الجغرافيا السورية، في حين تعتبر المناطق التي تسيطر عليها “الإدارة الذاتية” الأغنى في سوريا، إذ تضم معظم آبار النفط، إلى جانب كونها توصف بـ”خزان قمح سوريا”، نظرًا إلى النشاط الزراعي الكبير فيها.

ويستمر أبناء المنطقة بالاحتجاج للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، وتأمين المحروقات، وخرجت سابقًا مظاهرات للمطالبة برفع الرواتب وتحسين المعيشة وبتأمين بعض المواد الأساسية الغذائية في أسواق المنطقة.

ويبلغ الحد الأدنى لرواتب الموظفين العاملين في المؤسسات التابعة لـ”الإدارة الذاتية” مليونًا و40 ألف ليرة سورية، وفق أحدث زيادة أقرتها “الإدارة” في 27 من آب الماضي.

للمقتدرين فقط

في شمال غربي سوريا، تعتبر مؤونة “المكدوس” خارج قدرة عديد من الناس من غير المقتدرين.

إيمان العبد (43 عامًا)، مشرفة في مدرسة تابعة لـ”وقف الديانة التركي”، تتقاضى راتبًا شهريًا يصل لنحو 150 دولارًا أمريكيًا، قالت لعنب بلدي، إنها تريد تحضير 15 كيلو من مؤونة “المكدوس” هذا العام، بسبب اعتماد عائلتها بشكل كبير على هذه المادة.

ونتيجة لارتفاع أسعار المواد، ستلجأ إيمان لحشو قسم من “المكدوس” بالجوز وقسم آخر دونه، كما قد تستغني أيضًا عن زيت الزيتون.

ويبلغ سعر كيلو الجوز في شمال غربي سوريا بين 75 و120 ليرة تركية بحسب جودته، ويصل سعر ليتر زيت الزيتون لنحو 110 ليرات تركية، وسعر كيلو الثوم عند حدود 50 ليرة تركية.

ووفق موقع “Döviz” المتخصص بأسعار الصرف والعملات النقدية، وصل سعر صرف الدولار الأمريكي إلى 26.9 ليرة تركية.

ويستمر ارتفاع نسبة البطالة في إدلب وريفها، مع غياب المشاريع الاقتصادية وظروف الحرب واستهداف الأسواق والمرافق العامة.

وتتراوح أجور المياومة في المنطقة بين 40 و70 ليرة تركية، وتختلف باختلاف عدد ساعات العمل وطبيعة المهنة من زراعة أو أعمال يدوية أو أعمال بناء.


أسهم بإعداد التقرير مراسلة عنب بلدي في مدينة اللاذقية ليندا علي





×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة