عقد اجتماعي من طرف واحد

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

بالنيابة القسرية عن الشعب السوري، أعلنت “الإدارة الذاتية” عن شكل سوريا المستقبل، وغيرت اسم الجمهورية وأطلقت كونفيدرالية في المناطق التي تسيطر عليها بدعم من التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك عبر ما سمي بـ”العقد الاجتماعي” المعدل الذي أطلقته في 13 من كانون الأول الحالي، ويعتبر وفقًا لنصوصه بمنزلة دستور لدولة، لها حدودها وقَسَمها وأعلامها وهيكلها الإداري والقانوني والسياسي والعسكري والاقتصادي، مكرسة حالة التمزق التي تعيشها سوريا المتخمة بالميليشيات والجيوش الأجنبية التي تحتل أجزاء من أرضها. فعبر إقرار مشروع تلو الآخر، يتجاهل حزب “الاتحاد الديمقراطي”، بصفته المهيمن على التشكيلات السياسية التي ينتجها كـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و”الإدارة الذاتية”، آراء وإرادة شركائه في الوطن، أي عموم السوريين والسوريات، ويفرض عليهم مشاريعه وأحلامه.

ففي 6 من كانون الثاني 2014، أطلقت “الإدارة الذاتية” النسخة الأولى من ميثاق عقدها الاجتماعي، وبشكل استباقي صادرت إرادة الشعب السوري وحددت في المادة “3” بأن النظام في سوريا برلماني اتحادي، وقررت حدود سلطتها بـ”الجزيرة، كوباني/عين العرب، عفرين”، واعتبرت أن “وحدات حماية الشعب” الذراع العسكرية لحزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) هي “المؤسسة الوحيدة الوطنية المسؤولة عن الدفاع وعن سلامة أراضي المقاطعات وسيادتها الإقليمية، وهي في خدمة مصالح الشعب، وحماية أهدافه وأمنه الوطني”، وهي من تحدد علاقتها مع بـ”القوات المركزية”، ويملك مجلسها التشريعي “إعلان حالة الحرب والسلم” والتصديق على الاتفاقات والمعاهدات الدولية (المادة 53)، أما حاكم كل من المقاطعات الثلاث فـ”يجب أن يكون سوريًا ومن مواطني المناطق التابعة للمقاطعة” (المادة 54-2)، والملاحظ هنا أن هذا النص لم يستخدم كلمة “مقيمين” بل استخدم “مواطنين”.

وفي 2 من حزيران 2016، أطلقت “الإدارة الذاتية” “العقد الاجتماعي للفيدرالية الديمقراطية لروج آفا– شمال سوريا“، ثم في 5 من كانون الثاني 2017، عدل “المجلس التأسيسي للفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا” بعض نصوصه وألغى كلمة “روج آفا” من العنوان وأبقى عليها في متنه، وهي تعني غرب كردستان. لقد أعلن هذا العقد الاجتماعي/الدستور، ومن طرف واحد أيضًا، الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا، وحدد شكل النظام واسم الجمهورية بـ”فيدرالية سوريا الديمقراطية” (المادة 54)، ولم ينص العقد/الدستور على مناطق سيطرته العسكرية والسياسية كما في ميثاقه السابق، واكتفى بذكر شمال سوريا وأقاليم تابعة لـ”الإدارة الذاتية”، وكان ذلك مقدمة لتمدد سلطتها فيما بعد.

“الإدارة الذاتية” ذهبت إلى ما هو أبعد مما نص عليه دستور إقليم كردستان الاتحادي ضمن دولة العراق الاتحادية في “المادة  -2أولًا” بتحديد الحدود الإدارية للإقليم، وأشار إلى “المادة 141– ثانيًا” من  الدستور العراقي التي تحدد الإجراءات الواجبة حول المناطق المتنازع عليها، مثل كركوك ومناطق أخرى.

نص العقد الاجتماعي/الدستور لعام 2017 أيضًا في المادة “59” على حق “مؤتمر الشعوب الديمقراطية”، وهو بمنزلة مجلس الشعب بـ”التصديق على انضمام منطقة أو إقليم إلى الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا بعد قبولها العقد الاجتماعي”.

وحددت المادة “73” من العقد/الدستور: “يتم التوجه نحو الاستفتاء في جميع المواضيع المصيرية (…) من قبيل صياغة العقد الاجتماعي، والمشاركة في الاتفاقيات الدولية أو الخروج منها، وتعديل شكل النظام”، دون أي إشارة إلى دور وتشريعات الدولة السورية والاتفاقيات الموقعة عليها.

أما التعديل الأخير الذي أطلقته “الإدارة الذاتية” على العقد الاجتماعي/الدستور، فقد غيرت اسمها ووسعت حدودها وهيمنتها كسلطة أمر واقع، وأصبح اسمها “الإدارة الذاتية لإقليم شمال شرق سوريا” وتشمل كلًا من الجزيرة، ودير الزور، والرقة، والفرات، ومنبج، وعفرين، والشهبا، والطبقة (المادة 91). وبشكل عام تصح نصوص العقد أن تكون دستورًا لدولة، وليس لـ”إدارة ذاتية” كجزء من دولة، كما جاء في المادة “68”، التي تنص على أنه “يحق لكل إنسان طلب اللجوء الإنساني، والسياسي، ونبذ المعاملة السيئة له، ولا يعاد اللاجئ لبلده دون رضاه، وينظم ذلك بقانون”، والمادة “87– الفقرة 7” التي تنص على حق كل مقاطعة (وهي تتشكل من المدن والبلدات والقرى والمزارع) “بتطوير وتعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الشعوب والبلدان بشرط عدم تناقضها مع العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا”، وتجاهلت شرط عدم تناقضها مع قوانين وسياسة الدولة السورية.

لقد اتسمت هذه الوثائق المسماة بـ”العقد الاجتماعي” والتي أطلقتها سلطة الأمر الواقع “الإدارة الذاتية” على أنها:

  • مشروع توسعي، يمدد سلطته على المناطق السورية باسم محاربة الإرهاب وبدعم من التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة.
  • رغم تنصيص وثائقها الدائم على الديمقراطية، فإنها، أي “الإدارة الذاتية”، أعطت لنفسها الحق بتغيير اسم سوريا وإعلان نظام الحكم فيها وإقرار فيدرالية ثم كونفيدرالية من طرف واحد، بمعزل عن رأي السوريين والسوريات والإجماع الوطني والتوافق على دستورهم بعد انتهاء الحرب وخروج الجيوش والميليشيات الأجنبية من أراضيها.
  • إن استخدام سياسات الهوية ستكون مقدمة لتقسيم سوريا على أسس قومية وعرقية وطائفية، كما أن اعتبار كل هوية شعبًا بحد ذاته، وإطلاق  كلمة “الشعوب” “شعوب الإقليم” “شعوب روج آفا– شمال سوريا” يتناقض مع دساتير دول متعددة ذات نظام فيدرالي مثل الدستور العراقي والسويسري باعتبارهما دستورين اعتمدت عليهما لجنة صياغة ما يسمى بـ”العقد الاجتماعي” في “الإدارة الذاتية”، حسب تصريح فوزة يوسف عضوة اللجنة الموسعة لكتابة وصياغة العقد، فالدستور السويسري يبدأ بـ”نحن الشعب السويسري، والمقاطعات السويسرية”، وكذلك دستور العراق الذي ينص في ديباجته على “نحن شعب العراق…”، وفي دستور إقليم كردستان تنص المادة “رقم 6- أولًا”: “يتكون شعب كردستان العراق من الكرد والقوميات الأخرى…”، وحتى دستور الولايات المتحدة الأمريكية يبدأ بـ”نحن شعب الولايات المتحدة…”، وعليه فإن كلمة “الشعوب” لا يمكن استخدامها لشعب في دولة واحدة.

كان الأجدى بحزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) وسلطة الأمر الواقع المتمثلة بـ”الإدارة الذاتية” طرح وثائقهم ورؤيتهم على عموم الشعب السوري كبقية الأحزاب والكتل السياسية السورية قبل قوننتها بشكل منفرد، والإصرار على مصادرة حق الشعب السوري، بشكل متواصل، في اختيار نظام حكمه وكتابة دستوره، لا يعني إلا استقواء بالسلاح وبالقوات الأجنبية في الهيمنة على أغنى مناطق سوريا بالموارد الطبيعية.

إن نقد أو رفض المشاريع السياسية- العسكرية التي تريد بعض الأطراف فرضها على عموم السوريين والسوريات لا يعني انتقاصًا من حقوق وواجبات جميع المكونات السورية دون تمييز في سوريا المستقبل، ولا يعني أيضًا خلو الوثائق التي أطلقتها “الإدارة الذاتية” من نصوص ومواضيع مهمة مثل الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الاجتماعي والرئاسة المشتركة وغيرها من القضايا المهمة لتكون ركيزة من ركائز دستور سوريا الحرة في المستقبل.





×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة