فرص العمل الصحفي في عصر الذكاء الاصطناعي

tag icon ع ع ع

علي عيد

بعد تخرجي في الجامعة، وكنت قد انخرطت قبلها بسوق العمل كمراسل لوسيلة إعلام خارجية، لم أكن أطمح لامتلاك جهاز كمبيوتر محمول (laptop)، كما لم أكن أشعر بالضغط لأنني لا أمتلك جهاز كمبيوتر مكتبي (desktop computer) وكان ذلك نحو عام 1997، إذ كنت أرسل المواد إلى بيروت عبر تقنية “الفاكس”، أما الصور فعبر البريد العادي داخل ظرف مختوم، وكانت سوريا متأخرة جدًا حتى عن دول عربية.

في ذلك الوقت التقيت زميلة تخرجت معي في نفس المجموعة بقسم الصحافة بجامعة “دمشق”، وسألتها عن أخبارها فأجابت بارتباك أنها تخضع لدورة تدريبية على “الفاكس”، فأدركت أنها لم ترَ “الفاكس” قط، أو أنها خلطت بينه وبين استخدام الكمبيوتر، ورثيت لحالها وحالنا في البلاد.

في ذلك الوقت كانت كثير من الصحف العربية قد أدخلت الكمبيوتر إلى قاعات التحرير، لكنها لم تكن خدمة معممة على كامل قطاعات العمل الإعلامي، وتدريجيًا بدأت رقمنة الصحافة حتى ظهرت بضع صحف إلكترونية في العالم العربي.

وفي عام 1995، أطلقت صحيفة “الخليج” باللغة الإنجليزية في دولة الإمارات، و”الشرق الأوسط” السعودية، أول نسختين للصحافة الإلكترونية في العالم العربي.

ثم ظهرت في العام 1996 ثماني صحف هي “الأيام” البحرينية، و”الدستور” الأردنية، و”الاتحاد” الإماراتية، و”الأيام” الفلسطينية، و”الحياة” اللندنية، و”السفير” اللبنانية، و”الجوردن تايمز”، و”الوطن” الكويتية.

وتأخرت سوريا حتى عام 2003، ليظهر موقع “كلنا شركاء”، ثم في 2004 ظهر موقع “سيريا نيوز”.

سُقت كل تلك المقدمة الطويلة للتحدث عن تغيرات مهنة الصحافة، إلى أين وصلت، وماذا طرأ على توصيفها ومتطلباتها في عصر الذكاء الاصطناعي، بعد أن قرأت مقالًا لأحد الزملاء المتخصصين حول “دليل وظائف المستقبل في الصحافة والإعلام”.

يقول الدليل إن الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية باتت من أشكال وفنون صناعة المحتوى، وإن الموهبة لم تعد كافية، وإن الموهوبين لا مكان لهم في السوق الإعلامي دون تعزيز معارفهم التكنولوجية ومهاراتهم  في استخدام محركات البحث  (SEO)، والتسويق الرقمي (Digital marketing)، ونظام إدارة المحتوى (CMS)، وتحسين وسائل التواصل الاجتماعي (SMO)، وتحليل البيانات (Data Analysis)، والتواصل (Communication)، والتدقيق اللغوي (Proofreading)، وإدارة الوقت (Time Management).

ويشير الدليل إلى وظائف (غير تقليدية) يزداد الطلب عليها، اخترت عشرًا منها وهي:

  • الراوي البصري (Visual Storyteller).
  • كاتب نشرة بريدية (Newsletter Writer).
  • كاتب محتوى التجارة الإلكترونية (E-commerce Content Writer).
  • راوي القصص المبنية على البيانات (Data-Driven Storyteller).
  • المخطط الإعلامي (Media planner).
  • مشتري الوسائط (Media buyer).
  • مدقق المعلومات (Fact-checker).
  • استراتيجي محتوى ((NFT Content Strategist.
  • مطور محتوى الواجهة الصوتية (Voice Interface Content Developer).
  • مطور محتوى المحادثة بالذكاء الاصطناعي (AI Conversational Content Developer).

لكل من الاختصاصات السابقة وصفه الوظيفي (Job Description) الدقيق، كما يتطلب العمل عليها مهارات ومعارف لا يمكن تنميتها إلا بالتعلم والتدريب، ثم الممارسة العملية.

السؤال الآن، هل كل ما سبق يعني أننا سنلغي مهنة الصحافة التقليدية، وأننا لم نعد بحاجة إلى من يتقن فنّ الكتابة؟

ليس صحيحًا أننا لم نعد بحاجة للصحفي الحاذق، فالكتابة في الإعلام فيها جانب كبير من الموهبة، لكن توظيف الموهبة يأتي بعد تعلّم الأساسيات، كما أن الحسّ الصحفي لا يمكن تعلّمه ببرامج وتقنيات، بل هو تطوير وتراكم، ويعتمد بالأساس على فهم الصحفي وإدراكه لكل ما يدور حوله من أحداث.

لنتذكر أن صحفيًا لا يمكنه إتقان اللغة العربية، مهما ازدادت معارفه التقنية، يبقى غير قادر على إنتاج تقرير صحفي حيّ، يتحدث عن قضايا بشر من لحم ودم، ومهما بلغت التكنولوجيا من شأن في توليد النصوص بناء على إدخالات برمجية وخوارزميات، فإن جهاز الكمبيوتر لن ينتقل إلى موقع الحدث، ولن يستطيع وصف حال الناس، كما لا يمكنه تقدير أحاسيسهم وانفعالاتهم وحركاتهم.

لا أخفيكم أنني خفت كثيرًا على مستقبلي المهني وأنا أقرأ توصيف “وظائف المستقبل في الإعلام”، ثم تذكرت أنني أمضيت نحو 28 عامًا وأنا أتعلم، وأن وظائف المستقبل هي لجيل الغد، وأن واجبي هو تنبيه زملائي القادمين من أبناء الجيل الجديد إلى أهمية تعزيز قدراتهم وإدراك مستوى التغيرات، وإن استطعت أن أطور من نفسي بما تبقى فلن أتردد.. وللحديث بقية.





×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة