ما أسباب عجز موازنة “الإدارة الذاتية” شرقي سوريا

سوريون يبحثون في مكب للنفايات بالقرب من بئر نفطي بالقرب من مدينة المالكية شمال شرقي سوريا- 20 من كانون الثاني 2021 (فرانس برس)

camera iconسوريون يبحثون في مكب للنفايات بالقرب من بئر نفطي بالقرب من مدينة المالكية شمال شرقي سوريا- 20 من كانون الثاني 2021 (فرانس برس)

tag icon ع ع ع

قدرت “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا العجز المتوقع للموازنة العامة للسنة المالية 2024، بـ389 مليون دولار أمريكي.

واستندت “الإدارة”، وفق ما أعلنت عنه في 8 من حزيران، بتقديراتها إلى النفقات المخططة والإيرادات المتوقعة للعام الحالي، وقدرت الإيرادات العامة بمبلغ 670 مليون دولار أمريكي، بينما تصل النفقات العامة إلى مليار و59 مليون دولار أمريكي.

العجز بالموازنة لم يكن مستغربًا، لكن في الوقت نفسه لا يمكن التغاضي عن أن “الإدارة الذاتية” تدير الجزء الأغنى من الجغرافيا السورية، حيث تتركز معظم آبار النفط، والمساحات الصالحة للزراعة.

وفي الوقت الذي قدرت فيه “الإدارة” إيراداتها للعام الحالي بـ670 مليون دولار أمريكي، قالت إن نفقاتها تجاوزت المليار دولار، خلال مدة زمنية لم تظهر فيها أي مشاريع، أو خطط على أرض الواقع باستثناء مشروع إعادة تأهيل “جسر الرشيد” في الرقة، وترميم طريق الرقة- المنصورة، وطريق الرقة- حزيمة، ومشاريع أخرى مشابهة هنا وهناك.

وفي الوقت نفسه، تواجه “الإدارة الذاتية” اتهامات بأن “حزب العمال الكردستاني” يسيطر على موارد المنطقة الاقتصادية، ويسيّر مواردها إلى جبال قنديل حيث معقله.

ما أسباب العجز

يصعب تعقب مصادر الأموال لدى “الإدارة الذاتية” التي لا تعلن عادة عن تفاصيل العمليات المالية في مناطق سيطرتها، ولا تشير إلى حجم دخلها، في حين ترجع أسباب عجزها المالي للاستهدافات التركية لمناطق سيطرتها، والبنى التحتية فيها.

يعتقد مدير البرنامج السوري في “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية” والدكتور في الاقتصاد، كرم شعار، أن أسباب عجز الموازنة الحالي يعود لعدة أسباب، أبرزها “الميراث الصعب في مؤسسات المنطقة”.

وأوضح شعار، في حديث إلى عنب بلدي، أن “الإدارة الذاتية” لم ترث مؤسسات تعمل، إنما بدأت ببناء مؤسساتها الخاصة من الصفر، مشيرًا إلى أنها لم تكن تملك ما تستند عليه مؤسساتيًا لإدارة المنطقة.

وأضاف أن هناك شقًا إيديولوجيًا في أسباب عجز الموازنة، إذ لا تزال أطروحات “الإدارة” المتعلقة باقتصاد المنطقة ومؤسساتها تحمل “نفحات شيوعية” تظهر جليًا في التسميات التي تطلقها على نشاطاتها.

وأضاف أن هذا التوجه الإيديولوجي يعطي حرية واسعة للأطراف الريفية، ولا يمكن أن يكون أفضل خيار للنمو الاقتصادي في منطقة مثل شمال شرقي سوريا، خصوصًا أن هذا التوجه يطبق بطريقة تمييزية تجاه المكون العربي من أبناء المنطقة.

ولفت شعار إلى أن كرد المنطقة تعرضوا لتمييز ممنهج في سوريا قبل عام 2011، لكن هذا الشأن منفصل، لا يمكن النظر له في الوقت الراهن.

بالنظر إلى الطريقة التي تدير فيها “الإدارة الذاتية” مفاصل اقتصاد شمال شرقي سوريا، يمكن الملاحظة أنها مشتقة من أفكار زعيم “حزب العمال الكردستاني” الأسبق، عبد الله أوجلان، القابع في السجون التركية منذ سنوات.

وسبق لأوجلان أن أصدر سلسلة من الكتب التي تقترح “نموذجًا مجتمعيًا” للشعب الكردي، واستوحى أيديولوجيته “الأوجلانية” مباشرة من المُنظّر الاجتماعي الأمريكي موراي بوكتشين، وهو يساري متطرف أراد أن يقضي على الرأسمالية من خلال مفهوم “البلدية التحررية”، بحسب تحليل موجز نشره معهد “واشنطن للأبحاث” عام 2017.

فساد خارج عن السيطرة

يصعب تعقّب كيفية تحصيل وإنفاق إيرادات “الإدارة الذاتية”، لكن الموارد الأساسية لها تأتي من مبيعات النفط، والضرائب والرسوم على الدخل، والرسوم على المواد والبضائع المستوردة، في وقت تستمر التهم لكوادرها بالفساد والمحسوبية، رغم محاولات الإصلاح التي أعلنت عنها مرارًا.

وفي عام 2020 أعلنت “الإدارة الذاتية”، عن تشكيل جهاز “الرقابة العامة”، بعد أن تعرضت أغلب المؤسسات لتهم بالفساد واختلاس الأموال.

يعتقد الباحث كرم شعار أن للفساد دور بارز بعجز الموازنة العامة لـ”الإدارة” مؤخرًا، إذ قال لعنب بلدي إنه من الواضح تأثير الفساد على العوامل الاقتصادية شمال شرقي سوريا، رغم أن تقييمه بدقة صعب في الوقت الراهن.

وأضاف أن الدول الداعمة لـ”الإدارة الذاتية” غير قادرة على السيطرة على حالة الفساد في المنطقة، ويمكن اعتبار أن عمليات تهريب النفط نحو مناطق سيطرة النظام السوري مثالًا حيًا على الفساد بالمنطقة.

شعار يرى أن “العمال الكردستاني” مستفيد من الموارد الاقتصادية في شمال شرقي سوريا، لكن لا يمكن اعتباره مسببًا رئيسيًا للوضع الاقتصادي المتردي في المنطقة.

نفط وضرائب

وفق دراسة أجراها الباحث الاقتصادي سنان حتاحت، نُشرت ضمن برنامج “مسارات الشرق الأوسط” في كانون الثاني 2020، تعتبر “هيئة المالية” المؤسسة المركزية في “الإدارة” المسؤولة عن إدارة مالية المنطقة، علمًا أن للمجالس المحلية أيضًا الحق في جباية الضرائب وفرضها، وجمع الإيرادات التي تفرض على معظم المهن والحرف، بما في ذلك المؤسسات الصغيرة مثل الباعة المتجولين، والمحال التجارية، والنقل العام.

وتبرر “الإدارة” هذه التدابير بأنها تهدف لتمويل الخدمات العامة، لكن ثمة اعتقادًا عامًا بأن نوعية تقديم الخدمات لا تتناسب مع كمية الضرائب المُحصّلة، وفق الدراسة.

وفي الإطار نفسه، قال الرئيس المشترك لـ”هيئة المالية” في “الإدارة الذاتية”، أحمد يوسف، خلال لقاء مع وكالة “نورث برس”، إن “الإدارة” تعتمد في إيراداتها بالدرجة الأولى على النفط، الأمر الذي يعد “خللًا كبيرًا” في الاقتصاد.

وتحاول “الإدارة” تخفيض نسبة مساهمة النفط في حجم إيراداتها، إذ تعمل على تنويع المصادر منذ 2021، وزيادة الموارد الثانية، وهي إيرادات الأقاليم والشركات والضرائب ورسوم الخدمات وغيرها.

وفي 2021، كانت نسبة الاعتماد على النفط في موازنة “الإدارة الذاتية” 92% من إجمالي الإيرادات، بينما بلغت نسبة إيرادات الجمارك 7%، وبقية الإيرادات 1%، بحسب يوسف.




مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة