شرط الانسحاب التركي حاضر.. النظام يتجاهل خطاب أنقرة “التصالحي”

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قال في معرض حديثه عن تطوير العلاقات مع دمشق، إن تركيا ليست ولن تكون دولة تتخلى عن أصدقائها، في إشارة إلى المعارضة السورية- 2 من تموز 2024 (الأناضول)

camera iconالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قال في معرض حديثه عن تطوير العلاقات مع دمشق، إن تركيا ليست ولن تكون دولة تتخلى عن أصدقائها، في إشارة إلى المعارضة السورية- 2 من تموز 2024 (الأناضول)

tag icon ع ع ع

في 26 من حزيران الماضي، قدّم رئيس النظام السوري، بشار الأسد، تصريحًا خارجًا عن سياق تصريحات النظام الرسمية حيال تطبيع العلاقات مع تركيا.

وأكد خلال لقائه المبعوث الخاص للرئيس الروسي، ألكسندر لافرنتيف، انفتاح نظامه على جميع المباردات المرتبطة بالعلاقات بين دمشق وأنقرة، والمستندة إلى ما وصفه بـ”سيادة سوريا على أراضيها ومحاربة كل أشكال الإرهاب وتنظيماته”.

التصريح الذي لم يتناول صراحة اشتراطًا بانسحاب تركي من الأراضي السورية شكّل شرارة تصريحات متتابعة صدرت عن مسؤولين أتراك، منهم الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي قدّم خطابًا “تصالحيًا” تجاه النظام السوري، مبديًا عزمه على تطوير العلاقات مع سوريا إلى ما كانت عليه في الماضي (أي قبل الثورة السورية).

قال أردوغان، في 28 من حزيران الماضي، “كما حافظنا على علاقاتنا مع سوريا حية للغاية، فقد عقدنا هذه الاجتماعات مع السيد الأسد في الماضي، بما في ذلك اجتماعات عائلية”، لافتًا إلى انفتاحه على لقاء مستقبلي يجمعه بالأسد.

وفي تصريحات أخرى أدلى بها، في 5 من تموز الحالي، قال الرئيس التركي، إنه قد يوجه دعوة لبشار الأسد لزيارة تركيا، مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، معتبرًا أن ذلك قد يكون بداية لعملية جديدة.

التصريحات التركية حيال النظام ذهبت أبعد من ذلك، حين جدد أردوغان بعد يومين من تصريحه السابق نيته دعوة الأسد إلى زيارة تركيا بأي لحظة، في سبيل إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه، ودون إشارة إلى بوتين في هذه المرة.

تجاهل رسمي.. لا تغير في اللهجة

الاندفاع التركي في التصريحات الرسمية الصادرة من أعلى الهرم السياسي قابله تجاهل رسمي من النظام السوري، الذي لا يزال يقف حتى اليوم عند تصريح الأسد أواخر حزيران الماضي.

وخلافًا لوسائل الإعلام التركية التي تهافتت على نقل تصريحات أردوغان حيال علاقة مستقبلية محتملة مع دمشق، تجاهل أيضًا الإعلام السوري الرسمي والمقرّب من النظام حالة النشاط السياسي التي بدت إعلاميًا على الأقل “من طرف واحد”.

وسائل الإعلام الرسمية، بما فيها وكالة الأنباء السورية (سانا) والصحف الثلاث (تشرين والثورة والبعث) غضّت الطرف عن المسألة، كما غضّت الطرف عن أحداث عنف وشغب طالت لاجئين سوريين في ولاية قيصري التركية، تفاعل معها الرأي العام على نطاق واسع.

في السياق نفسه، فإن صحيفة “الوطن” المقربة من النظام، التي تنشر باستمرار مستجدات مسار التقارب التركي مع دمشق، نقلًا عن مصادر تصفها بـ”المتابعة”، حافظت على لغتها في هذا الإطار واستخدام مصطلحات لا توحي بحلحلة في المسار أو تنازل عن شرط انسحاب تركيا من الأراضي السورية، عند تعرضها لقضية قطع الإنترنت من تركيا عن الشمال السوري، إذ وصفت ذلك بأنه “إجراءات عقابية”، ووصفت الوجود التركي في الشمال بـ”الاحتلال”، كما وصفت ريف حلب بأنها “مناطق سيطرة الاحتلال التركي”.

ووفق مادة مكتوبة نشرتها “الوطن”، الأحد الماضي، فإن هذه “الإجراءات العقابية” توقعها سكان الشمال السوري “الذين زاد حنقهم على الوجود العسكري التركي في مناطقهم، جراء الصلف والغرور وحملة الاعتقالات المستمرة التي ينفذها جيش الاحتلال التركي مع مرتزقته”.

كما عنونت، الاثنين الماضي، إحدى موادها بـ”دون الإشارة إلى نيته سحب قواته المحتلة من سوريا.. أردوغان: نأمل أن نعيد العلاقات التركية- السورية إلى ما كانت عليه“.

وجاء في المادة أن تصريحات أردوغان جاءت “من دون أن يشير إلى احتلال قواته أراضي سورية، ومن دون الحديث عن نيته سحب تلك القوات استنادًا إلى مطالب دمشق”.

وأمس، الثلاثاء، تحدثت الصحيفة عن اجتماع من وصفتهم بأنهم “قادة الفصائل المسلحة الموالية لأنقرة” مع منسق الاستخبارات التركية في المناطق التي “تحتلها أنقرة” في مدينة اعزاز “المحتلة”، وفق الصحيفة.

وبعد تقارير صحفية تتنبأ بموعد لقاء الأسد وأردوغان، قال الناطق باسم حزب “العدالة والتنمية”، عمر جليك، إن موعد اللقاء غير محدد بعد، وإن العمل حول الأمر مستمر، ولم توجه دعوة للأسد بعد، ولا وضوح بشأن مكان وزمان اللقاء بعد، وفق ما نقلته وكالة “الأناضول” التركية، الثلاثاء.

من جانبها، نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، عن مصادر قالت إنها “متابعة” في دمشق، أن الملف السوري- التركي لم ينضج بعد كونه مرتبطًا بملفات أخرى شائكة، وملف الفصائل المسحلة المحلية في الشمال، وملف المقاتلين الأجانب.

المعارضة التركية على الخط

عودة الحديث عن مسار التقارب التركي مع النظام أعادت حالة التنافس السياسي بين الحكومة والمعارضة التركية في هذا السياق، والتي عبّرت عن نفسها بتجلٍ واضح بفترة الانتخابات الرئاسية التركية في أيار 2022.

واليوم، الأربعاء 10 من تموز، أعلن نائب رئيس حزب “الشعب الجمهوري” (CHP)، برهان الدين بولوت، أن حزبه تلقى ردًا إيجابيًا على طلب رئيسه، أوزغور أوزيل، لزيارة دمشق، ولقاء الأسد، موضحًا خلال حديثه لقناة “Halk TV” التركية، أن رئيس الحزب أوزغور أوزيل سيذهب إلى دمشق، دون تحديد الموعد بدقة.

وذكر بولوت أن حزبه تواصل مع “إدارة دمشق”، وتمكن من حل المسائل المتعلقة بنية اللقاء مشيرًا إلى أن الحزب سيناقش مع “دمشق” أين ومتى سيتم اللقاء.

وأضاف، “أولًا، يجب إقناع الأسد بالجلوس على الطاولة مع تركيا. يمكنني إقناع الأسد بالجلوس على الطاولة، طالما أن أردوغان لديه مثل هذه النية (…) الخطوات التي نتخذها تشجع أردوغان أيضًا”.

تجاوب النظام الحالي مع أكبر أحزاب المعارضة التركية والمنافس الأبرز في الانتخابات، جاء بعد رفض طلبات سابقة لسياسيين معارضين أتراك لزيارة سوريا، وبعد تعويل سابق من الأسد على تغيير سياسي في تركيا تفضي إليه انتخابات الرئاسة التي جرت في أيار 2022، وثبتت أردوغان رئيسًا لخمس سنوات مقبلة.

وفي مقابلة مع قناة “روسيا اليوم” في زيارته الخامسة منذ انطلاق الثورة السورية إلى موسكو، ربط الأسد، في آذار 2022، أي تطور في العلاقات مع أنقرة بالانتخابات التركية، معتبرًا أن “الزلزال الوحيد الذي يغير من السياسات التركية ويدفع باتجاه التقارب حاليًا، هو الانتخابات الرئاسية في تركيا”.

شروط منذ البداية

بدأ مسار التقارب بين أنقرة ودمشق بشكل رسمي معلن في 28 من كانون الأول 2022، بغية استعادة العلاقات السياسية بين الطرفين، إثر قطعها منذ 2011، على خلفية التعاطي الأمني للنظام السوري مع الثورة الشعبية عام 2011، ودعم تركيا للاحتجاجات ثم دعمها لفصائل المعارضة وانتشارها في الشمال السوري إلى جانب تشكيلات عسكرية مدعومة منها.

ورغم الخلافات بين الجانبين، يتوافقان بضرورة تفكيك مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرقي سوريا، الذي تعتبره أنقرة امتدادًا لحزب “العمال الكردستاني” المحظور والمصنف إرهابيًا، وترى فيه دمشق مشروعًا انفصاليًا.

وبعد سلسلة لقاءات على مستوى وزار الخارجية ونواب وزراء الخارجية، ولقاء بحضور وزراء الدفاع وقادة الاستخبارات لأطراف المسار الأربعة حينها (تركيا والنظام السوري وروسيا وإيران)، أعلنت موسكو، في 29 من كانون الثاني الماضي، انهيار مسار التقارب مع مواصلة محاولاتها جمع حليفيها على ذات الطاولة.

تشترط أنقرة في محادثاتها مع النظام التعاون ضد حزب “العمال الكرستاني” (ترى أنقرة في “قوات سوريا الديمقراطية” امتدادًا له في سوريا)، وضمان عودة اللاجئين السوريين، مع استعداد للحديث في هذه القضايا.

الشروط هذه تطرحها أنقرة منذ حزيران 2023، وأكدها وزير الدفاع التركي، يشار غولر، في 1 من حزيران، حين أبدى استعداد بلاده للانسحاب العسكري من سوريا، ضمن أطر وشروط محددة ليست جديدة بالنسبة لأنقرة.

وأضاف غولر، “نحن مستعدون لدعم إقرار دستور شامل وإجراء انتخابات حرة وتوفير بيئة تطبيع وأمنية شاملة، وبعد أن يتم ذلك، ويجري ضمان أمن حدودنا بشكل كامل قد نفكر في الانسحاب إذا لزم الأمر”، وفق ما نقلته وسائل إعلام تركية، منها “Odatv”.

من جانبه، يشترط النظام باستمرار، وقبل وخلال وبعد جولات المفاوضات، الانسحاب التركي من سوريا، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، في 4 من حزيران، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الإيراني في  دمشق، وهو ما غاب أيضًا عن تصريحات الأسد خلال لقائه مبعوث بوتين.




مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة