
اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب - 14 حزيران 2025 (رئاسة الجمهورية)
اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب - 14 حزيران 2025 (رئاسة الجمهورية)
عنب بلدي – محمد كاخي
بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 من كانون الأول 2024، اجتمعت فصائل المعارضة المسلحة في 29 من كانون الثاني الماضي في قصر “الشعب” بدمشق، وأعلن المجتمعون من هناك حلّ مجلس الشعب، وإلغاء العمل بدستور عام 2012، وبالتالي سقوط جميع السلطات، التنفيذية والتشريعية في سوريا.
وأدى هذا الإجراء، بحسب خبراء قانونيين، إلى فراغ تشريعي ولّد أضرارًا كبيرة على البنية القانونية، سواء بإصدار مراسيم ذات طابع تشريعي دون غطاء دستوري، أو تعطّل كثير من متطلبات المضي بالمرحلة الانتقالية لغياب القوانين.
وفوّض قادة الفصائل رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، إلا أن الشرع أصدر الإعلان الدستوري في 13 من آذار الماضي، وتضمنت المادة “24” منه تشكيل لجنة لانتخاب أعضاء مجلس الشعب، مع تعيين الرئيس ثلث أعضاء المجلس فقط، وهو ما يدعى قانونيًا بـ”الآلية الهجينة” (التعيين والانتخاب غير المباشر).
ويتم اللجوء إلى تلك الآلية عادة في بيئات شديدة التعقيد، عبر القيام بدمج أسلوب التعيين والتمثيل القطاعي أو المناطقي أو القوى السياسية والمجتمعية، والتي يراها الحقوقي والباحث في مركز “الحوار السوري” نورس العبد الله، آلية واقعية، خصوصًا في الأشهر الأولى للمرحلة الانتقالية، وذلك لأولوية الدور المطلوب من مجلس الشعب في المرحلة الحالية، وهي أدوار استثنائية مرتبطة بإحداث ثورة قانونية تستجيب للتغيرات على أرض الواقع أكثر من الدور السياسي، بحسب العبد الله.
وعقب تشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” في 13 من حزيران الماضي، أصدرت النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب في 20 من آب، بعد أن صدّق عليه الرئيس السوري، أحمد الشرع، وتضمّن النظام تشكيل لجان قانونية، ولجان طعون، ولجان فرعية، مهمتها تنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها تحت مظلة “اللجنة العليا”.
بحسب النظام الانتخابي الذي أصدرته “اللجنة العليا”، تقوم العملية الانتخابية على إحداث لجنة انتخابات فرعية في كل دائرة انتخابية بالمحافظات، وتقوم هذه اللجان، بعد التشاور مع المجتمعات والفعاليات الرسمية المحلية بتعيين الهيئة الناخبة، والتي ستقوم بانتخاب أعضاء مجلس الشعب من ضمن أعضائها.
ويتم حساب عدد أعضاء الهيئة الناخبة في كل دائرة انتخابية، بضرب عدد المقاعد المخصص لتلك الدّائرة بالرقم 50، فمثلًا، عدد مقاعد محافظة حلب هو 32، وبالتالي عدد أعضاء الهيئة الناخبة في المحافظة هو 1600، بعد ضربه بالرقم 50.
ويجب أن تتوفر في عضو الهيئة الناخبة مجموعة من الشروط، أهمها “ألا يكون من داعمي النظام البائد والتنظيمات الإرهابية بأي شكل من الأشكال، وألا يكون من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج”، وهو ما اعتبره قانونيون وخبراء تحدثت معهم عنب بلدي، فضفاضًا، ويفتح باب السلطة التقديرية لأعضاء اللجان الفرعية.
الأستاذ في القانون الدستوري سام دلة، اعتبر أنه لا يمكن الحديث عن نظام انتخابي في إعلان “اللجنة العليا”، فالانتخاب ولو بمظهره البدائي غير موجود، إذ إن العملية هي مجرد تعيين يُراد تغليفه بعبارات تتضمن الانتخاب.
وقال أستاذ القانون الدستوري، في حديث إلى عنب بلدي، “إننا أمام وثيقة تتضمن أن هيئة معيّنة بالكامل من رئيس السلطة الانتقالية ستقوم باختيار أو تعيين لجان فرعية، تقوم بدورها باختيار وتعيين ما سُمّي (هيئة ناخبة)، تختار من بينها أعضاء للمجلس، فكيف يمكن الحديث عن انتخاب ولو بمظهره البدائي الذي ظهر في القرن الـ16”.
كانت هناك خيارات بديلة عديدة للمرحلة الانتقالية، أولها التعيين، ولكن على أن يكون تمثيلًا حقيقيًا للمجتمع، ويتحمل الرئيس الانتقالي مسؤولية القرار، أو أن يلجأ الرئيس الانتقالي للتعيين من الكفاءات دون الاهتمام بمبدأ التمثيل، أما تغليف التعيين بهذه الطريقة فهو هروب من تحمل المسؤولية.
سام دلة
أستاذ في القانون الدستوري
وأضاف دلة أن الانتخاب يفتِرضُ أن يتم التنافس والاختيار بين أشخاص يمثلون تيارات سياسية ذات برامج مختلفة، تمكِّن الناخبين من الاختيار فيما بينها، “فأين نجد ذلك في كل أحكام النظام الانتخابي، الذي يضع شروطًا ذات طبيعة إقصائية تستبعد من تشاء من خلال عبارات فضفاضة مفتوحة”.
وردًا على الانتقادات للنظام الانتخابي، قال المتحدث باسم “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، نوار نجمة، لعنب بلدي، إنه ربما يعتبر بعض السوريين هذه الشروط ضبابية قليلًا، لكن “اللجنة العليا” ستصدر تعليمات تنفيذية تحدد بدقة الآلية التي سوف تعتمدها اللجان الفرعية و”اللجنة العليا” للتحقق من هذه الشروط، واعتمادها بشكل موضوعي، كي لا تكون أداة لأي عملية إقصاء، وإنما لتكون لخدمة الغاية والهدف منها، وهو أن يكون مجلس الشعب متضامنًا مع تضحيات وثورة الشعب السوري.
وعن تعيين الرئيس لثلث أعضاء مجلس الشعب وتعيين الرئيس لـ”اللجنة العليا” قال نوار نجمة، إن هذه مشكلة فلسفية سياسية، والمشكلة هنا أنه أساسًا في 8 من كانون الأول 2024 سقطت كل السلطات في سوريا ولم يبقَ لا سلطة تنفيذية ولا سلطة تشريعية، وعند إعادة بناء السلطات في مرحلة انتقالية، لا بد في البداية من أن يكون هناك تعاون لكي تتشكل هذه السلطات.
وأضاف نجمة أنه بناء على ما سبق، لا يمكن أن تتشكل السلطة التشريعية بمعزل عن تعاون أو مساعدة من السلطة التنفيذية، حيث سيتم تشكيل السلطة التشريعية، وتوضَع القوانين التي تضمن فيما بعد مسألة الفصل بين السلطات، ليكون مجلس الشعب القادم بعد المرحلة الانتقالية من خلال انتخابات حرة ومباشرة، وبعيدًا عن أي تشارك مع السلطة التنفيذية، لكن في الوقت الحالي، “نحن مضطرون للجوء إلى هذا النوع من الآليات”.
نصت المادة “4” من المرسوم “143” لعام 2025، الخاص بالتصديق على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب السوري، على أن يكون توزيع ثلثَيْ المقاعد على مستوى الدوائر الانتخابية وفق التقسيمات الإدارية والتمثيل السكاني، بحسب قرار وزارة الإدارة المحلية رقم “1378” الصادر في عام 2011.
وعلى أساس هذه المادة تم تحديد 32 مقعدًا لمحافظة حلب، ولدمشق 22 مقعدًا، و12 مقعدًا لمحافظة حمص.
الباحث الحقوقي وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري في سوريا أحمد قربي، قال لعنب بلدي، إن هذا القرار، بالرغم من أنه يبدو خيارًا غير واقعي، وغير منطقي، ولا يطابق الواقع، فإنه أقل الخيارات سوءًا، والسبب في ذلك أنه لا توجد مرجعية للإحصاء في سوريا يمكن الاستناد إليها في مجال التمثيل سوى هذا الإحصاء.
وبالتالي، بحسب حديث قربي إلى عنب بلدي، لا يوجد أمام اللجنة بديل آخر، والبدائل الأخرى هي بدائل تقديرية وستكون أكثر انتقادًا، وأي آلية بديلة سيتم اعتمادها ستكون فيها سلبيات تعرضها للانتقاد.
شروط عضوية مجلس الشعب:
أن يكون سوري الجنسية قبل تاريخ 1 من أيار2011، بمن في ذلك المواطنون المشمولون بأحكام المرسوم “49” لعام 2011.
أن يكون قيده في السجل المدني ضمن دائرته الانتخابية، أو يكون مقيمًا فيها لمدة خمس سنوات متتالية قبل عام 2011.
أن يكون متمتعًا بالأهلية القانونية.
أتم الـ25 من العمر بتاريخ صدور هذا المرسوم.
أن يتمتع بحسن السيرة والسلوك.
ألا يكون محكومًا بجناية أو جرم مُخلّ بالشرف، باستثناء القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني.
ألا يكون قد ترشح للانتخابات الرئاسية بعد عام 2011.
لم يسبق له أن كان عضوًا في مجلس الشعب أو مرشحًا له في الفترة ما بعد عام 2011، إلا إذا أثبت انشقاقه.
ألا يكون من داعمي النظام البائد والتنظيمات الإرهابية بأي شكل من الأشكال، وألا يكون من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج.
ألا يكون منتسبًا للقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية.
ألا يكون عضوًا في اللجنة العليا أو اللجان الفرعية أو لجان الطعون.
ألا يشغل منصب وزير، أو محافظ، أو نائب أحدهما، أو معاونه.
أن يكون ملتزمًا بأحكام الإعلان الدستوري.
أن يكون حاصلًا على شهادة جامعية معتمدة أو ما يعادلها بالنسبة لفئة الكفاءات.
أن يكون حاصلًا على الشهادة الثانوية بالنسبة لفئة الأعيان.
نصت المادة “24” من مرسوم النظام الانتخابي على أن تمثيل المرأة في عموم الهيئات الناخبة يجب ألا يقل عن 20%، لضمان المشاركة الفعالة للمرأة في الانتخابات، بحسب “اللجنة العليا”.
المتحدث باسم “اللجنة العليا”، نوار نجمة، قال في حديثه إلى عنب بلدي، إن نسبة الـ20% هي الحد الأدنى للنساء ضمن الهيئات الناخبة، أما ضمن مجلس الشعب، فلا يمكن للجنة أن تتحكم بنسبة تمثيل النساء في المجلس.
وسوف تكون نسبة النساء في بعض المناطق أكثر من 20% ضمن الهيئات الناخبة، في محاولة للوصول إليها أو تجاوزها في عضوية مجلس الشعب، وإذا لم تتمكن اللجان من الوصول إلى هذه النسبة، فقد يكون الثلث المعيّن من قبل الرئيس هو الحل لتكون هناك نسبة معقولة من النساء ضمن مجلس الشعب، وعلى العموم لا توجد نسبة تحدّ من تمثيل النساء في مجلس الشعب، بحسب نجمة.
يتخوف الخبراء القانيون من تغوّل السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، وإمساكها بمفاصل العملية كاملة، إذ يقول أستاذ القانون الدستوري سام دلة، إن الجميع في مجلس الشعب مدين بوجوده لرئيس المرحلة الانتقالية، وسيخضع بالضرورة لإرادته، فهو من يعيّن المجلس بكامل أعضائه (الثلث بنفسه والثلثان من خلال لجنة هو من عيّنها).
بينما يرى الباحث الحقوقي وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري في سوريا أحمد قربي، أن مبدأ فصل السلطات متوفر في الإعلان الدستوري الحالي، فعلى الرغم من أن رئيس الجمهورية سيعيّن أعضاء السلطة التشريعية بشكل مباشر وغير مباشر، فإننا لو راجعنا الإعلان الدستوري وكل المهام المنوطة بالسلطة التشريعية، فلا يمكن للسلطة التنفيذية أن تتدخل فيها، ولا يمكن للسلطة التشريعية أن تتدخل بعمل السلطة التنفيذية، فهي تحترم مبدأ الفصل بين السلطات على مستوى المهام والصلاحيات بعيدًا عن التعيين، ما يعني أن رئيس الدولة يعيّن مجلس الشعب ولكنه لا يستطيع أن يتدخل في عمله.
بدوره، يعتقد الحقوقي والباحث في مركز “الحوار السوري” نورس العبد الله، أن الآلية الحالية تجعل السلطة التنفيذية مؤثرة في السلطة التشريعية من حيث التشكيل لدرجة كبيرة مهما تم الحديث عن وضع ضمانات لمنع ذلك، لكن في المقابل مع عدم وجود صلاحية حلّ مجلس الشعب، أو العكس، عزل مجلس الشعب للرئيس، فإن الفصل الجامد سيكون موجودًا لاحقًا، ويجب أن يتوجه السؤال أكثر نحو المستقبل، أي ما بعد المرحلة التأسيسية الحالية، بحيث يتم إصدار القوانين التي تضمن بالفعل فصل السلطات مع ضمان تنسيقها وتكاملها، ففصل السلطات ليس مطلقًا بحال من الأحوال.
بينما قال المتحدث باسم “اللجنة العليا”، نوار نجمة، لعنب بلدي، إن الخطة خلال هذه المرحلة هي إحداث التطوير لكل القوانين والتشريعات وإصدار القوانين الجديدة، بالإضافة إلى مشروع صياغة دستور دائم للبلاد، ووضع قانون انتخابي، لكي يكون بنهاية المرحلة الانتقالية، وبنهاية مدة هذا البرلمان المحددة بـ30 شهرًا إمكانية تشكيل برلمان جديد وفق آلية الانتخاب المباشر من قبل كل المواطنين على كل الأراضي السورية، تضمن الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية.
اعتاد السوريون، خلال العقود الأخيرة، تسمية “مجلس الشعب” بـ”مجلس التصفيق”، لأنه كان ينقذ ما يُطلب منه، وحصل هذا بشكل صارخ عندما جرى تعديل الدستور عام 2000، بما يسمح لرئيس النظام السابق، بشار الأسد، الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية بعد وفاة والده، وجرى تمرير قرار بهذا الشأن خلال دقائق، ومع التغيير الحاصل في هوية الدولة وعلمها وشعارها والتسميات الخاصة بالهيئات والمؤسسات، يبقى السؤال مطروحًا ما إذا كانت هناك نية لتغيير اسم مجلس “الشعب”.
قال المتحدث باسم “اللجنة العليا”، نوار نجمة، لعنب بلدي، إنه وبسبب وجود كثير من الاعتراضات على الاسم، ففي الغالب، سيكون أحد أهم القرارات التي سيتخذها مجلس الشعب القادم، هو تغيير اسمه، ولكن هذه المسألة يتم إقرارها من قبل مجلس الشعب والنواب القادمين، عندما يتم انتخابهم وتشكيل البرلمان الجديد، وهذا يشمل اسم المجلس أو النظام الداخلي.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى