المفاوضات بين سوريا وإسرائيل.. انعدام في الثقة و”الاتفاقات الإبراهيمية” بعيدة

الشرع يرى أن أي اتفاق مع إسرائيل سيستند إلى اتفاق فض الاشتباك 1974 بينما يقول نتنياهو إنه يريد منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري (تعديل عنب بلدي)

camera iconالشرع يرى أن أي اتفاق مع إسرائيل سيستند إلى اتفاق فض الاشتباك 1974 بينما يقول نتنياهو إنه يريد منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري (تعديل عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي ـ عمر علاء الدين

رغم كل ما يقال عن المحادثات الجارية بين سوريا وإسرائيل لعقد اتفاق أمني بين الجانبين، فإن الرسائل التي صدرت عن الطرفين في اليومين الأخيرين، سواء كانت عسكرية أم سياسية، توحي بفقدان الثقة أو توقف المفاوضات لأسباب عديدة، من بينها الأحداث الأخيرة التي حصلت في السويداء، وفق ما قالته هيئة البث الإسرائيلية (مكان).

المفاوضات بالنسبة للجانب السوري، وبحسب ما عبر عنه الرئيس أحمد الشرع، مرهونة بالتزام إسرائيل بأي اتفاق يجري التوصل إليه، بشرط أن يكون على أساس اتفاق فض الاشتباك 1974، بينما تصرح الحكومة الإسرائيلية بعدم ارتياحها لطبيعة الإدارة الجديدة في سوريا، وأنها تريد منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، كما أنها لن تتخلى عن المناطق التي سيطرت عليها، وأهمها القمة 2814، في جبل الحرمون.في هذا التقرير، تحاول عنب بلدي البحث في مسار هذه المفاوضات، في ضوء الاستهداف الإسرائيلي لجنود سوريين في منطقة الكسوة بريف دمشق، في 26 من آب الحالي، وما صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من تصريحات بعد لقاء في غرفة عمليات الطائفة الدرزية التي أقامتها في بلدة جولس شمالي إسرائيل في 28 من آب.

“الاتفاقات الإبراهيمية” والجولان

الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، استبعد خلال لقائه مع وفد عربي ضم رؤساء تحرير وسائل إعلام ووزراء سابقين بدمشق، في 24 من آب الحالي، نسخ “الاتفاقات الإبراهيمية” في سوريا.

وقال إن “الاتفاقات حصلت بين إسرائيل ودول ليست عندها خلافات وليست مجاورة. سوريا وضعها مختلف، لدينا الجولان أرض محتلة”.

الأولوية حاليًا، بحسب الشرع، هي العودة لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 أو شيء مشابه، لضبط الوضع الأمني في جنوبي سوريا بإشراف دولي.

الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان، اعتبر أن الشرع أعاد طرح قضية الجولان المحتل في هذا “التوقيت الحرج”، بهدف تنبيه المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي تشكل خرقًا صارخًا لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

وفي حديث إلى عنب بلدي، قال سليمان، إن سوريا لن تتنازل عن أراضيها مهما كانت الضغوط، وإن سياستها الخارجية تختلف جذريًا عن نهج “النظام البائد” في التعاطي مع هذه القضايا.

ويرى الباحث السوري أن الوضع في سوريا يختلف عن بقية الدول التي تناقش “الاتفاقات الإبراهيمية”، نظرًا إلى حساسيتها الجغرافية والسياسية، فـ”إسرائيل توجد على الحدود السورية مباشرة وتقوم بانتهاكات مستمرة منذ سقوط النظام البائد لم تكن تقوم بها على زمنه، سواء عبر التوغلات البرية أو استهداف المنشآت والمقار الأمنية والعسكرية الحكومية”.

ويعتقد سليمان أنه في ظل هذا “الوضع الأمني المتوتر”، يصعب الحديث عن أي مسار تفاوضي ضمن إطار “الاتفاقات الإبراهيمية”.

ويسعى الشرع، بحسب الباحث في مركز “جسور”، إلى تحييد الصراع عن الجغرافيا السورية قدر الإمكان ضمن هذه المفاوضات، مفضلًا اعتماد الطرق الدبلوماسية والتنسيق مع “الأشقاء الأتراك والعرب والحلفاء الأمريكيين والأوروبيين، للتوصل إلى حلول تُنهي تعقيدات العلاقة مع إسرائيل، وألا تفضي إلى تفاهمات أمنية مؤقتة”.

ووُقعت اتفاقيات “أبراهام” أول مرة بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين في البيت الأبيض، في 15 من أيلول 2020، بحضور الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال ولايته السابقة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، ووزير خارجية البحرين، عبد اللطيف الزياني.

الثقة مفقودة

المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، أكد، في 28 من آب الحالي، أن الجانبين (سوريا وإسرائيل) التقيا في باريس لمدة ثلاث ساعات ونصف، ثم التقيا لاحقًا في اجتماع ثانٍ، واصفًا الأجواء بـ“الإيجابية”.

وقال إن الشرع لا يثق بالإسرائيليين، معتبرًا أنه “لم تعد العديد من البلدان العربية تثق بها بعد ما حصل في غزة”، لكنه أوضح أن الشرع “مستعد للتفاوض من أجل مصلحة بلاده”.

براك رأى أن الإسرائيليين يعتبرون أن خطوط “سايكس- بيكو” بعد “7 من أكتوبر” لم تعد “ذات معنى”، وهم يتحركون حيث يشاؤون لحماية بلادهم.

وأعلن أنه طلب من نتنياهو ألا يكون شديد القسوة على الجميع.

على الجانب الآخر، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد لقاء في غرفة عمليات الطائفة الدرزية التي أقامتها في بلدة جولس شمالي إسرائيل، في 28 من آب الحالي، “أنا لست شخصًا ساذجًا، أفهم أمام من نقف، وأمام ماذا نقف”، مؤكدًا أنه “ستكون لدينا تسوية”.

الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان، يرى أن الرئيس الشرع “لا يثق بالإسرائيليين”، ومع ذلك يبدي استعداده للعمل بشفافية ووضوح في أي تفاهمات قد تجنب سوريا الدخول في نزاعات جديدة.

وأشار سليمان إلى انعدام ثقة السوريين بإسرائيل، التي طالما انتهجت سياسات قائمة على الاحتلال واستخدام القوة ضد من لا يوافق على رؤيتها للمنطقة.

ويعمل الشرع، بحسب الباحث، من خلال “المناورات السياسية والدبلوماسية على كسب الوقت وتخفيف الضغط الممارس على البلاد، ريثما تصل الأمور إلى تفاهمات أو حلول معينة”.

الكاتب الإسرائيلي إفرايم عنبر، الباحث في مركز “القدس للدراسات الاستراتيجية”، يرى أن سوريا أصبحت “نقطة خلاف” بين واشنطن وتل أبيب اللتين لا تتفقان بشأن مستقبلها.

فالولايات المتحدة، مثل تركيا، بحسب الكاتب، “مهتمة بتحويل سوريا إلى دولة مركزية تحت رعايتها”، بينما هناك رؤية مختلفة لإسرائيل، بسبب التزامها بالأقليات (وخاصة الدروز والأكراد).

وفي مقال له على موقع القناة  “12” الإسرائيلية، اعتبر عنبر أن قدرة إسرائيل على هندسة الكيانات السياسية خارج حدودها الشمالية، سوريا ولبنان، “محدودة للغاية”، ويجب ألا “تتوهم” إسرائيل أن قوتها العسكرية قادرة على تغيير الواقع السياسي هناك.

وأضاف، “ستظل هاتان الدولتان تشكلان تحديًا أمنيًا في المستقبل القريب”.

التصعيد العسكري لفرض وقائع على الأرض

تسعى إسرائيل  لفرض اتفاقية خضوع عبر وقائع ميدانية تستند إلى قوة عسكرية مفرطة .

وتأتي التطورات الميدانية في اليومين الأخيرين بالتصعيد العسكري في جبل المانع بمنطقة الكسوة بريف دمشق في هذا السياق، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي إنزالًا جويًا بأربع مروحيات إسرائيلية بجنوب شرقي مدينة الكسوة في ريف دمشق، في 27 من آب الحالي، دون أن يحدث أي اشتباك مع عناصر وزارة الدفاع الموجودين بالقرب من المنطقة.

مصدر عسكري، تحفظ على نشر اسمه، ذكر لعنب بلدي حينها، أن عملية الإنزال استمرت أكثر من ساعتين، دون أن يشير إلى طبيعة العملية وسببها.

وقال مصدر حكومي لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن عناصر من الجيش عثروا خلال جولة ميدانية على أجهزة مراقبة وتنصّت قرب جبل المانع، في 26 من آب، وفي أثناء محاولة التعامل معها، تعرض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن قتلى وإصابات وتدمير آليات.

وتجدد القصف الإسرائيلي، في اليوم التالي، على نقاط عسكرية في ريف دمشق، بالقرب من مدينة الكسوة، بأكثر من عشر ضربات.

واعتمدت إسرائيل نهجًا تصعيديًا منذ سقوط نظام الأسد،  في 8 من كانون الأول 2024، إذ توغلت  في عدة مناطق جنوبي سوريا، بمحافظتي القنيطرة ودرعا.

وفي أول تعليق له على التوغل الإسرائيلي بعد تسلمه السلطة، قال الشرع، في 14 من كانون الأول 2024، إن حجج إسرائيل انتهت، معتبرًا أنه لا توجد حجج لتدخل خارجي الآن في سوريا بعد إنهاء الوجود إيران في البلاد، وفق تصريحه.

وأكد الشرع أنه لا ينوي خوض صراع مسلح مع إسرائيل، معتبرًا أنها ليست المعركة التي سيخوضها.

ودمّر الجيش الإسرائيلي العديد من المواقع العسكرية السورية، في الجنوب السوري ودمشق واللاذقية وحمص وحلب، عقب سقوط الأسد، وهو ما اعتبرته إسرائيل خطوات استباقية لعدم وقوعها بأيدي “المتطرفين”، ولضمان أمنها، على حد قولها.

ويحاول المفاوض السوري تحريك كل أدوات الضغط الدبلوماسي، وهذا ما رأيناه في تحذير وزير الخارجية، أسعد الشيباني، في قمة جدة من مشاريع إسرائيل التوسعية، خصوصًا ما صدر على لسان بنيامين نتنياهو حول إسرائيل الكبرى.

الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان، يرى أن المفاوضات مع إسرائيل ستبقى مستمرة بحكم “الواقع الجغرافي والانتهاكات المتكررة”، لكنها تواجه تحديات داخلية وإقليمية، ولا يمكن القول بأنها متعثرة بالكامل.

وبحسب سليمان، تحتاج المفاوضات إلى “توافقات استراتيجية” تحصّن سوريا على المدى الطويل من التدخلات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وتضبط العلاقة معها، لتكون ضمن الأطر الرسمية الحكومية فقط، دون أي اتصال مع جهات غير رسمية أو فواعل ما دون الدول.

وحكم تقرير لمركز “ألما” الإسرائيلي للأبحاث، على أي عملية دبلوماسية بين سوريا وإسرائيل بـ”الفشل”، لأن سوريا لا تعتزم تلبية ما أسماها التقرير بـ”الشروط الإسرائيلية للانسحاب من الجبهة الشمالية”.

واعتبر المركز أن الوجود العسكري في تسع نقاط على الجانب السوري من خط فصل القوات لعام 1974 ليس “ورقة مساومة مؤقتة”، بل هو “موقف أمني ضروري وطويل الأمد”، تم اتخاذه في مواجهة “واقع غير قابل للحل دبلوماسيًا”، على حد تعبيره.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة