إدارة المؤسسة الإعلامية والصحفي.. علاقة معقدة
علي عيد
تعاني كثير من إدارات وسائل الإعلام في التعامل مع كادرها الصحفي، باعتبار أن مهمته ملتبسة بين كونه موظفًا، أو صاحب رسالة مهنية، والأخيرة تحتاج إلى كثير من النضج من الصحفي نفسه، وهنا تنشأ مشكلة في فهم المهمات أو الدور.
يعتبر الصحفي موظفًا من الناحية القانونية الإدارية لأنه يتقاضى راتبًا يلزمه بساعات عمل محددة، ويخضع لنظام داخلي، وشروط إنتاج، وهذا ينطبق على وسائل الإعلام ذات البنية الإدارية الصارمة، سواء كانت رسمية أو خاصة.
مشكلات الصحفيين مع إداراتهم تتعلق بأكثر من جانب، أولها الجانب الإداري الوظيفي، وهذا مرتبط بقضايا ضعف الأجور، أو تأخر الرواتب، وتكليفهم بأعباء تفوق طاقتهم، وكذلك غياب الوضوح في العقود أو حتى عدم وجودها أساسًا، ثم التعامل مع الصحفي كموظف عادي دون مراعاة حساسية عمله الخاصة، مثل الخطر الميداني، والضغط النفسي.
وعلى المستوى التحريري، يمكن أن يعاني الصحفيون من فرض أجندة سياسية أو تجارية على المادة الصحفية، وكذلك التدخل في صياغة الأخبار بطريقة تمس بالمهنية، أو منع التطرق لمواضيع حساسة خوفًا من ردود فعل رسمية أو شعبية.
مسألة أخرى ترتبط بعلاقة الصحفي والمؤسسة، وهي العامل النفسي والمعنوي، سواء لجهة غياب التقدير للجهود، أو لغة الأوامر بدل لغة الشراكة، أو الضغط المستمر على الإنتاج دون مراعاة للظروف.
تعتبر العوامل السابقة من الأمور التي تدفع كثيرًا من الصحفيين إلى البحث عن بدائل، أو حتى ترك المهنة لأنهم يعتقدون أنها لا تتماشى مع طموحاتهم في ظروف عمل مستقر ومنتج.
في الجهة المقابلة، تعاني وسائل الإعلام والإدارات من مشكلة في التعامل مع الكوادر من الصحفيين في أكثر من جانب، منها الالتزام المهني، إذ يتعامل بعض الصحفيين مع الصحافة كوظيفة عابرة، إذ لا يلتزمون بمواعيد العمل أو تسليم المهمات.
وتشكو إدارات وسائل الإعلام كثيرًا من ضعف التحقق والتدقيق، ما يسبب مشكلات قانونية أو مهنية للوسيلة.
وفي كثير من الحالات يظهر عدم التوافق بين توجهات الصحفي نفسه والسياسة التحريرية، إذ يصر بعض الصحفيين على نشر آرائهم الشخصية بدل الالتزام بخط التحرير المتفق عليه، في إطار نزعة نحو الحرية المطلقة تتعارض مع هواجس الوسيلة الإعلامية في فقدان هويتها أو جمهورها.
كثير من وسائل الإعلام تعاني مشكلة الصحفي العالق في مكانه والذي لا يواكب التقنيات الحديثة ولا يطور من مهاراته، خصوصًا وأن الإعلام اليوم تجاوز الأطر والأدوات التقليدية، وظهرت المنافسة على أشدها في الصحافة الرقمية، وأدوات التحقق، وصحافة الموبايل.
وفي الجانب الأخلاقي، يستغل بعض الصحفيين صفتهم للحصول على منافع شخصية، مثل الشهرة والعلاقات والخدمات، أو تلقي الهدايا والأموال، ما يسيء لسمعة الوسيلة.
ومن مشكلات وسائل الإعلام مع الصحفيين حالات تسريب المعلومات الداخلية، أو حتى العمل بشكل غير معلن مع وسائل إعلام أخرى بما يتعارض مع القوانين الداخلية ومدونات السلوك أو العقود الموقعة من المؤسسات.
مسألة أخرى تعانيها المؤسسات، وهي الاستقرار الوظيفي، إذ تشتكي الإدارات من ترك الصحفيين العمل فجأة بحثًا عن فرصة أفضل، ما يسبب فراغًا مستمرًا في غرف الأخبار.
هناك نصائح يقدمها متخصصون للصحفيين وإدارات وسائل الإعلام، لضمان التوازن، وعدم حدوث احتكاكات أو فقدان للثقة أو تعطيل لسير العمل.
نصائح للصحفي:
الالتزام المهني والمسلكي: أن يحافظ الصحفي على المعايير المهنية المعروفة، والتي تعتبر دستور عمل الصحفي، ومنها الدقة، والموضوعية، والتحقق من المعلومات قبل النشر، وكذلك الالتزام بمدونات السلوك التي تحكم علاقاته بزملائه وإدارته وموارد المؤسسة المالية والمعنوية.
التطور والمواكبة المستمرة: على الصحفي مواكبة أدوات الصحافة الرقمية، ومهارات التحقق، والتصوير، والاطلاع على كل ما هو جديد في المهنة للحفاظ على مركزه الوظيفي.
الالتزام بالمعايير المؤسسية: يجب على الصحفي احترام السياسة التحريرية للوسيلة، وعدم المجازفة بمصالح المؤسسة لمصلحة توجهات أو قناعات شخصية.
الصراحة والتواصل الفعّال: يمكن للصحفي مناقشة الصعوبات مع الإدارة بدل التذمر أو الانسحاب المفاجئ، كما يمكنه الإفصاح عن قدراته، وتوضيح إمكانياته تجاه المهام المكلف بها.
الالتزام الأخلاقي: على الصحفي أن يمتنع عن استغلال المهنة أو وجوده في المؤسسة لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية أو علاقات خاصة.
نصائح لإدارة المؤسسات الصحفية:
الشفافية: على المؤسسة إظهار الحقوق والواجبات في عقود واضحة ومكتوبة.
سياسة الثواب والعقاب: مقابل ما تفرضه المؤسسة من غرامات أو عقوبات، عليها الاعتراف بجهود الصحفيين ماديًا ومعنويًا، وتقديم الحوافز بشكل مستمر.
التدريب والتطوير: يجب على المؤسسة الاستثمار في رفع كفاءات الفريق باستمرار، وعدم تركهم في مستوى أقل من أقرانهم في مؤسسات أخرى.
التشاركية: تنصح إدارات المؤسسات الصحفية بإشراك الصحفيين في اتخاذ القرارات التحريرية المهمة، وخلق شعور بالشراكة والمسؤولية تجاه المهمة والعمل.
حماية الصحفيين: من واجب المؤسسات حماية صحفييها من المخاطر الميدانية والقانونية والضغوط النفسية.
تبقى الصحافة واحدة من المهن الأصعب، فبينما تبحث الإدارات عن الاستمرار والاستقرار الوظيفي والكوادر المؤهلة وتغطية النفقات، تعيش تلك الكوادر تحت ضغط تغطية الأخبار العاجلة، والمواعيد النهائية (deadlines)، والمسؤولية تجاه الجمهور والمسؤولية أمامه وأمام القانون أيضًا.
بخلاف ما سبق، يطلب من الصحفي تغطية الحروب والكوارث الطبيعية والاحتجاجات، وغالبًا ما يكون معرضًا لضغط نفسي وأمني وصحفي، وكل ما سبق يعني بيئة عمل صعبة للصحفي وإدارته في ذات الوقت، وتلك معادلة صعبة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :