عدالة انتقالية مسيّسة بين الهيمنة والتوظيف

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

في مرحلة انتقالية مليئة بالألغام والتحديات والأخطاء، يتأرجح المسار الرسمي للعدالة الانتقالية بين الانتقائية والتوظيف السياسي من جهة، وإرث نظام شمولي تغول على المؤسسات وأرسى دعائم الإفلات من العقاب من جهة أخرى، ناهيك باستمرار المجازر وأعمال العنف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي لم تتوقف بعد فرار الأسد وانهيار منظومته الأمنية، والتي تنقلت من الساحل إلى السويداء. ومن الثابت قوله، إن العدالة الانتقالية تشكل لحظة تأسيسية في سوريا الجديدة، تقوم على بناء دولة تحمي حقوق الإنسان وتحقق السلام والمصالحة الوطنية، وعليه، فإن الخطأ أو الانحراف أو التوظيف السياسي لمسارها، سينعكس سلبًا على جوهر العدالة وسيادة القانون ومجتمعات الضحايا، وسيُغرق البلاد في مستنقع عنف وثأر وإفلات من العقاب لن يتوقف.

وإذا استعدنا السياسات التي اتبعتها السلطة الانتقالية، بدءًا من شكلية مؤتمر الحوار الوطني، وتجاهل الحاجة الملحّة لعقد مؤتمر وطني تأسيسي، وهندسة إعلان دستوري كرّس سلطة مطلقة للرئيس الانتقالي، وطغت فيه السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وسعت السلطة مع تيارها السياسي للهيمنة على جميع مفاصل المؤسسات أفقيًا وعموديًا، وعيّنت حاكمًا فعليًا يُدعى بـ”الشيخ” في كل مؤسسة ومنطقة، فمن المنطقي أن نتساءل، كأفراد وجماعات معنيين بمسار تشاركي وشفاف وذي مصداقية للعدالة الانتقالية، هل ستتمتع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بالاستقلالية؟ وهل ستوسع إطار عملها ليشمل انتهاكات جميع الأطراف، ومن ضمنها الانتهاكات التي حصلت بعد سقوط النظام وحتى يومنا هذا؟ وخاصة أن المرسوم الرئاسي “20” حدد مهامها في كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار في حدود الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها النظام فقط، وهو تمييز بين الضحايا، ومخالف لنص المادة “10” من الإعلان الدستوري: “المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات”، ومخالف للمادة “49” التي تنص على: “تُحدث هيئة لتحقيق العدالة الانتقالية تعتمد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحق في معرفة الحقيقة، وإنصاف الضحايا والناجين، إضافة إلى تكريم الشهداء”، ومخالف أيضًا لنص المادة “12”: “تصون الدولة حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته. تعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءًا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري”.

وفي الإطار ذاته، فقد تغولت اللجنة العليا للسلم الأهلي على دور الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عندما “أعطت الأمان” لشخصيات مثل فادي صقر، وبررت وجودهم ضمن مسار السلم الأهلي بحجة أهمية دورهم في “تفكيك العقد وحل المشكلات”، وهو تصريح  ذكره حسن صوفان عضو اللجنة في المؤتمر الصحفي الذي شارك فيه المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، وكان مخصصًا للحديث عن إطلاق سراح موقوفين من ضباط الجيش السوري السابق.

واستمر تجاهل التنسيق مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مع بيان وزارة العدل، في 30 من تموز الماضي، الصادر عن النائب العام، والذي أُعلن فيه عن بدء دراسة الضبوط والوثائق المقدمة، وبناء عليها، تم تحريك دعوى حق عام بحق كل من: عاطف نجيب وبدر الدين حسون ومحمد الشعار وإبراهيم حويجة، وتمت إحالتهم إلى قاضي التحقيق المختص من أجل اتخاذ الإجراءات القانونية، كما أعلنت وزارة العدل، وبنفس التاريخ، عن تسلم ملفات بعض الموقوفين على خلفية ارتكاب جرائم وانتهاكات، وأشار بيان الوزارة أيضًا، إلى أنها قامت بـ”بناء أرضية مؤسساتية ملائمة لإصلاح القضاء”، واستبعدت القضاة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، وفضلًا عن ذلك، بثت وزارة العدل، في 7 من آب الحالي، فيديو وصفته قناة “الجزيرة” بـ”الترويجي“، يُظهر جانبًا من التحقيقات الجارية مع الأسماء المذكورة أعلاه، مع العلم بأن القانون السوري لا يتضمن نصوصًا تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي فإن التهم التي وجهت لهم لا ترتكز على فداحة الجرم، بل تمت قولبتها وحصرها وفق جرائم منصوص عليها في القانون السوري، كالقتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية، والتحريض والاشتراك والتدخل في عمليات قتل، الأمر الذي سينعكس سلبًا على مجمل عمليات العدالة الانتقالية وركائزها.

واستنادًا إلى ما سبق، فإن السلطة الانتقالية توظف العدالة الانتقالية بما يخدم سياساتها والضغوط التي تتعرض لها، وتتعامل معها كأداة تُشغل فيها الرأي العام المحلي والدولي لتخفيف الضغوط عليها، لكن ذلك يُعرض مسار العدالة الانتقالية للفشل ويجدد النزاع ويديم حالة الإفلات من العقاب ويُفشل المرحلة الانتقالية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة