بعد عام على التغيير.. مؤسسات سلطة أم مؤسسات دولة

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

تطرح في السياق السوري الراهن مسألة إعادة “بناء المؤسسات” بوصفها مدخلًا للخروج من الفوضى واستعادة الاستقرار، ويجري تقديم هذا الطرح غالبًا على أنه مسار تقني محايد يمكن من خلاله إعادة تنظيم الحياة العامة وضبط المجال السياسي والأمني والاقتصادي.

غير أن التدقيق في طبيعة ما يبنى، وكيفية بنائه، والغايات التي يخدمها، يكشف مفارقة جوهرية، لأن ما يجري في كثير من الأحيان ليس تأسيسًا لمؤسسات دولة بالمعنى الحديث، بل إعادة ترتيب لأدوات الحكم وإعادة إنتاج للسلطة بأشكال تشابه كثيرًا النموذج السلطوي الذي تم إسقاطه، ولكن بصورة أكثر فوضوية وأقل تنظيمًا.

فالدولة ليست مجموعة أسماء لوزارات وهيئات ومؤسسات، ولا مجرد هياكل إدارية تعمل بانتظام شكلي، بل هي منظومة مبادئ وقواعد تنظم وتضبط السلطة وتضعها في خدمة المجتمع، لكن حين تختفي هذه القواعد، تتحول المؤسسات إلى أدوات نفوذ مهما بدت رسمية ومنضبطة في شكلها.

الدولة في تعريفها الوظيفي، كيان يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية: سيادة القانون، فصل السلطات، استقلال القضاء، خضوع المسؤولين للمساءلة، وضمان الحقوق العامة دون تمييز.. وهذه المبادئ لم تُصغ لتكون مجرد شعارات خطابية، بل لتترسخ كآليات عملية تهدف لضبط القرار السياسي والحد من جنوحه أو تعسفه، ومنع تركّز السلطة في يد جهة واحدة، لكن حين يعاد إنتاج الهياكل الإدارية دون هذه الضمانات، فإن النتيجة تكون مؤسسات وظيفتها الأولى حماية القوة الحاكمة وتأمين استمرارها وليس خدمة المواطنين أو تمثيل مصالحهم، وهنا يصبح الفرق بين “مؤسسات دولة” و”مؤسسات سلطة” فرقًا في الجوهر لا في التسمية.

إن أحد أخطر مظاهر هذا المسار يتمثل في إنشاء كيانات مركزية ذات صلاحيات واسعة وغير محددة تتجاوز في نفوذها السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية معًا، هذه الكيانات تعمل كغرفة قرار مغلقة وتصوغ السياسات العامة، وتوزع الأدوار، وتقرر ما هو مسموح وما هو ممنوع دون أي سند دستوري أو حتى قانوني واضح، أو خضوع لأي شكل من أشكال الرقابة المستقلة أو المحايدة، وبالتالي فإن وجود مثل هذه المراكز (الهيئة السياسية مثالًا) يحوّل بقية المؤسسات إلى واجهات تنفيذية، ويفرغ مفهوم العمل المؤسسي من مضمونه ليصبح مجرد سلسلة أوامر تنتقل من الأعلى إلى الأسفل دون نقاش أو مساءلة.

في ظل هذا الواقع، لا يعود المجلس التشريعي مساحة فعلية وحرّة للنقاش العام ولا للتعبير عن الإرادة الشعبية، بل يتحول إلى أداة تصديق على قرارات متخذة مسبقًا، كما لا تعود الحكومة مسؤولة أمام ما يفترض أنهم ممثلو الشعب، بل أمام مراكز القوة الفعلية التي تمتلك حق التعيين والعزل وتحديد الأولويات، فيما يتحول القضاء، إذا لم يحصن استقلاله بنصوص دستورية واضحة وممارسات عملية تحمي القضاة من الضغط السياسي والأمني، إلى مجرد وظيفة إجرائية تمنح الغطاء القانوني لسياسات وقرارات لا يملك القدرة على مراجعتها أو نقضها أو عدم الامتثال لها.

وهذه الإشكالية تتعمق حين يستبدل مبدأ المواطنة بمبدأ “الولاء”، وبدلًا من أن تكون الكفاءة والنزاهة والمعايير المهنية أساس الوصول إلى المناصب العامة، تتم إعادة توزيع المواقع والنفوذ على أساس القرب من السلطة أو الانتماء إلى شبكات المصالح فيها، وهكذا تفرّغ الإدارة العامة من مضمونها الوظيفي أو التقني وتتحول إلى منظومة ريعية تعيد إنتاج ذاتها عبر الامتيازات والحماية المتبادلة.

في ظل هذا النمط من الحكم، لا يمكن أن تبنى مؤسسات قادرة على الاستمرار والتكيف، بل ما يتم بناؤه حقًا مجرد هياكل هشة تزدهر في أوقات السيطرة المطلقة، وتنهار عند أول اختبار حقيقي أو تبدل في موازين القوة.

إن بناء الدولة لا يمكن أن يكون عملية تقنية أو إدارية فحسب، بل هو فعل سياسي وأخلاقي وقانوني ومجتمعي في آن واحد، فهو يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا يحدد بوضوح مصدر الشرعية، وحدود السلطة وحقوق الأفراد والجماعات، وآليات الرقابة والمحاسبة. كما يتطلب مشاركة فعلية من المجتمع لا بوصفه رهطًا قطيعيًا ومتلقيًا سلبيًا للقرارات، بل شريكًا في صناعتها وصياغتها ومراقبة تنفيذها، ومن دون هذه المشاركة تصبح “الدولة” مشروعًا تسلطيًا فوقيًا مفروضًا بغلبة السلاح، يفتقر إلى القبول والثقة، وهما الشرطان الأساسيان لأي استقرار مستدام.

في الحالة السورية، تبدو الحاجة ملحّة اليوم للتمييز بين إعادة تشغيل مؤسسات قائمة، وبين إعادة تأسيس الدولة ذاتها، فالأولى قد توفر قدرًا من الضبط المؤقت، وتمنح انطباعًا كاذبًا بالانتظام، لكنها لا تعالج جذور الأزمة التي تمت الثورة بسببها أصلًا، بل قد تعيد إنتاجها بأدوات مختلفة في الشكل ربما، لكنها متماثلة في الجوهر، وأما الثانية، فهي مسار أطول وأكثر تكلفة وتعقيدًا، لكنه المسار الوحيد القادر على إخراج البلاد من الحلقة المفرغة بين الفوضى والاستبداد، فالدولة الرشيدة ليست فقط بعدد وشكل مؤسساتها ولا بانتظام هياكلها، بل بالقدرة على تقييد السلطة قبل ممارسة الحكم، وعلى جعل القانون أعلى من القوة، والمواطن أسمى من الحاكم.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة