
عميل يتسلم مستحقاته المالية من المصرف التجاري السوري - 10 كانون الثاني 2026 (المصرف التجاري السوري/فيسبوك)

عميل يتسلم مستحقاته المالية من المصرف التجاري السوري - 10 كانون الثاني 2026 (المصرف التجاري السوري/فيسبوك)
عنب بلدي – وسيم العدوي
أبصرت الليرة السورية الجديدة النور، في ظل تداعيات اقتصادية متعاظمة شهدتها سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات الدولية، ورغم حذف صفرين من الليرة القديمة، فإن أحد أبرز أهداف عملية الحذف هذه لم تتحقق، وهو رفع القيود عن السحوبات المصرفية.
ويستمر مصرف سوريا المركزي بإدارته الجديدة بعد سقوط النظام السابق في فرض قيود صارمة على السحوبات النقدية من المصارف العاملة، وإحكام قبضته على الإيداعات والحسابات المصرفية بكافة أنواعها، رغم أن قرار التقييد تعود جذوره إلى أعوام مضت، وظل قائمًا حتى بعد إطلاق العملة السورية الجديدة مطلع 2026، مما يثير العديد من التساؤلات حول أهدافه الحقيقية، وهو ما تناقشه عنب بلدي في هذا التقرير.
عنب بلدي توجهت بالسؤال إلى حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، حول مدى إمكانية رفع القيود عن السحوبات المصرفية، فأجاب أن “المصرف المركزي يعمل على هذا الأمر، وقد وعدتُ بأن نصل مع القطاع المصرفي إلى تحديد تاريخ لفتح سقف السحوبات المصرفية، ولكن خلال فترة استبدال العملة القديمة المحددة بـ90 يومًا قابلة للتجديد، لن نتحدث سوى عن استبدال العملة بمعزل عن أي قضية أخرى”.
وضمن مؤتمر صحفي عقد في كانون الأول 2025 بمقر “المركزي”، للإعلان عن التعليمات التنفيذية للعملة السورية الجديدة، اعتبر الحصرية أنه مع مرور الوقت سيتم حل “أزمة السيولة النقدية”، لأن ذلك من الآثار المباشرة لضخ الليرة السورية الجديدة في الأسواق، وأكد أيضًا أن من المهم جدًا تعزيز قدرة القطاع المالي على استعادة الثقة به.
وذكّر الحاكم بالتعميم الصادر عن مصرف سوريا المركزي في أيار 2025، الذي سمح لأي شخص يودع أموالًا لدى المصارف العاملة بعد هذا التاريخ بسحب هذه الأموال في أي وقت يشاء، داعيًا المواطنين الذين يحتفظون بالأوراق النقدية (البنكنوت) في منازلهم إلى إيداعها لدى المصارف لأن الاحتفاظ بها أمر خطير، وأنه ليس هناك خيار سوى العودة للقطاع المصرفي واستعادة الثقة به.
وأكد الحاكم أن “تلقي مبالغ من الكاش والاحتفاظ بها سيؤدي إلى أزمة سيولة كالتي نشاهدها، حيث يتم ضخ العملة بالقطاع المالي وتذهب إلى خارجه ولا تعود كودائع في البنوك”، كاشفًا أن المركزي يعمل مع المصارف على إجراءات بهذا الشأن لاستعادة الثقة، وبالتالي هي “ليست أزمة ضخ سيولة فقط، بل هي أزمة ثقة”.
وشدد الحصرية في اجتماع مع مديري المصارف العامة والخاصة، في كانون الثاني الحالي، على “أهمية تعزيز واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي لما لها من أثر مباشر في استقرار النظام المالي وزيادة فعالية السياسات النقدية، والمصارف تشكّل حلقة وصل أساسية بين المدخرات والاستثمارات، وتمويل العملية الإنتاجية وتحريك عجلة الاقتصاد، بما يسهم في دعم جهود النهوض بالبلاد خلال المرحلة المقبلة”.
من الحقائق الاقتصادية “الصادمة” في سوريا، التي لمح إليها حاكم مصرف سوريا المركزي، أن هناك رقمًا كبيرًا من النقود خارج النظام المصرفي، وهو ما يعد مؤشرًا على أزمة الثقة بين المواطنين والبنوك، حيث قال، إن “حجم النقد المتداول حاليًا في سوريا يبلغ نحو 42 تريليون ليرة سورية، بما يقارب 13 مليار قطعة نقدية، مقارنة بنحو تريليون ليرة فقط عام 2011”.
ويعكس وجود هذا الرقم من المليارات من القطع النقدية خارج النظام المصرفي السوري تفضيل المواطنين وأصحاب الفعاليات التجارية والصناعية وغيرها، اللجوء إلى النقد الملموس كإيداعات وأمانات، بدل الإيداع في المصارف.
وهو ما يفسره الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد تيسير الفقيه، بأن “هذا الرقم الضخم من النقد خارج النظام المصرفي يعكس استمرار أزمة الثقة، فالمواطن يخشى عدم القدرة على سحب أمواله عند الحاجة، أو أن يجد أمواله فاقدة لقيمتها عند السحب الكامل”.
وأشار الأكاديمي السوري إلى أن تفضيل النقد خارج البنوك يعوق قدرة النظام المصرفي على ضخ السيولة في النشاطات الاقتصادية، ويدفع الكثيرين للجوء إلى السوق السوداء وتدوير الأموال خارج القنوات الرسمية.

الخبير الاقتصادي الدكتور في فلسفة الأسواق المالية محمد تيسير الفقيه – 10 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي)
قال الخبير محمد تيسير الفقيه، إن موقف المصرف المركزي السوري من مسألة السحوبات المصرفية، بالاحتفاظ بالقيود على السحوبات، لا يعد خيارًا بالنسبة بل هي ضرورة ملحة، بحسب رأيه.
وأضاف أن السبب الرئيس لاستمرار تقييد السحوبات هو منع سحب الودائع الجماعي، لأن النظام المصرفي يعاني أصلًا من نقص في السيولة واحتياطيات محدودة لا تكفي لتغطية الطلب الفوري، وأي تحرير مفاجئ قد يؤدي إلى انهيار مصرفي.
السبب الرئيس لاستمرار تقييد السحوبات هو منع سحب الودائع الجماعي، لأن النظام المصرفي يعاني أصلًا من نقص في السيولة واحتياطيات محدودة لا تكفي لتغطية الطلب الفوري، وأي تحرير مفاجئ قد يؤدي إلى انهيار مصرفي.
الدكتور محمد تيسير الفقيه
خبير اقتصادي ومالي
ويعكس هذا الكلام حقيقة أن المصارف السورية تواجه نقصًا حادًا في السيولة النقدية وليس السيولة المصرفية، وفقًا للدكتور الفقيه، حيث لا تتجاوز السيولة النقدية المتاحة داخل البنوك 15 إلى 20% من إجمالي الودائع، وهي نسبة أقل بكثير من المعايير النقدية العالمية التي تتراوح بين 30 و40%، ما يجعل الكثير من المودعين غير قادرين على سحب احتياجاتهم الكاملة بالوقت المطلوب.
إحدى أهم الحقائق الاقتصادية في السنوات الأخيرة كانت متغيرات التضخم في سوريا، التي تمثل العائق الأكبر أمام تأمين السيولة النقدية للأسواق والتجار والصناعيين، فقد أظهرت البيانات الرسمية أن المعدلات التضخمية تراجعت مقارنة بالعام السابق، ولو أنها كانت ولا تزال تمثل عبئًا على الاقتصاد السوري.
وبلغ معدل التضخم الإجمالي خلال الفترة من شباط 2024 حتى كانون الثاني 2025 نحو 46.7%، وهو يمثل انخفاضًا كبيرًا عن الفترة ذاتها من عامي 2023 و2024 إذ بلغت 119.7%.
فيما سجل التضخم السنوي لشهر كانون الثاني 2025 نحو 6.4% مقابل 118.9% عن كانون الثاني 2024، وفق تقرير التضخم الأخير الصادر عن مصرف سوريا المركزي.
وعلّق الدكتور الفقيه على تراجع معدل التضخم لأكثر من النصف خلال العام 2025، مقارنة بالعام الذي سبقه 2024، بأنه “رغم تراجع التضخم السنوي، فإنه لا يزال مرتفعًا نسبيًا نتيجة ضعف الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الاستيراد، وهذا يجعل أي ضخ سيولة غير منضبط أمرًا خطيرًا على استقرار الأسعار والقيمة الشرائية للعملة”.
وأشار الخبير ذاته إلى أن تراجع بعض مؤشرات التضخم يعود جزئيًا إلى زيادة المعروض من السلع، والتحسن النسبي في سعر الصرف بعد تحرير بعض السياسات النقدية، لكن الضغوط التضخمية لم تختفِ تمامًا بسبب ارتفاع تكاليف المواد المستوردة وضعف الإنتاج المحلي.
في 1 من كانون الثاني الحالي، أطلق مصرف سوريا المركزي العملة السورية الجديدة بحذف صفرين من القيمة الاسمية، في محاولة لتبسيط التعاملات المالية وتسهيل التداول، ولكن رغم هذا التغيير، بقيت القيود على السحوبات المصرفية سارية، وهو ما أثار تساؤلات أشار إليها الخبير الاقتصادي السوري.
وأكد الدكتور الفقيه أن حذف الصفرين إجراء تقني لتسهيل التعاملات، لكنه لا يعني توفر سيولة غير محدودة، لذلك فإن تعديل سقوف السحب لتتناسب مع العملة الجديدة هو إجراء احترازي مرحلي لحماية قيمتها ومنع استنزاف المخزون النقدي فورًا.
وهنا يعطي الفقيه صورة واضحة بأن الهدف من القيود ليس معاداة العملة الجديدة بل حمايتها في المرحلة الانتقالية، إذ يُخشى من حدوث تدفق مفاجئ للنقد يؤدي إلى خلل في الأسواق قبل تعزيز الاحتياطيات الفعلية.
من آثار القيود الموجودة على السحوبات المصرفية، حسب الدكتور الفقيه:
وقال الدكتور الفقيه، إن القيود على السحوبات المصرفية تضعف التدفق النقدي التشغيلي للشركات، وترفع تكاليفها التشغيلية، ما يجعل الكثير منها يتجه نحو الإغلاق أو السوق السوداء للحصول على السيولة.
أوضح الدكتور محمد تيسير الفقيه، استنادًا إلى بيانات ومؤشرات مصرف سوريا المركزي، أن القيود على السحوبات تسعى لحماية النظام المصرفي من الانهيار التام.
وقال إن التضخم تراجع نسبيًا، لكنه لا يزال يفرض ضغوطًا حقيقية على الاقتصاد، وإن العملة الجديدة خطوة فنية لكنها لن تسد فجوة السيولة وحدها. كما أن استمرار السيولة خارج البنوك يعكس أزمة ثقة تحتاج إلى إصلاحات أعمق.
وخلص الخبير إلى أن “الاستقرار النقدي الحقيقي لا يُبنى فقط على اتخاذ الإجراءات التقنية، بل على إصلاح شامل يعيد الثقة للمودعين ويعزز السيولة في السوق بشكل تدريجي ومنضبط”، مع التأكيد على أن السحوبات المصرفية باتت ضرورة ملحة وليست رفاهية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى