قراءات تفسر تحولات المجتمع العلوي والعلاقة مع الدولة

سوريون من الطائفة العلوية يتظاهرون في مدينة اللاذقية - 28 كانون الأول 2025 (رويترز)

camera iconسوريون من الطائفة العلوية يتظاهرون في مدينة اللاذقية - 28 كانون الأول 2025 (رويترز)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – خاص

يشهد المجتمع العلوي في سوريا أحد أعمق التحولات في تاريخه الحديث، وقد شكّل سقوط النظام لحظة الانعطاف الأساسية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل في البنية الاجتماعية والنفسية للعلويين، ما يدفع للتساؤل حول أسباب هذه التغييرات ومن عززها وأسهم في الوصول إليها وكيف تطورت مطالبات هذا المكوّن باختلاف المراحل؟

عنب بلدي طلبت من خمسة متخصصين وباحثين في الشأن السياسي، تقديم تفسيرات ورؤى تتعلق بتحولات المجتمع العلوي، وعلاقته بالسلطة القديمة والدولة الحالية، وكذلك مقترحاتهم للحلول.

كيف يرى هؤلاء علاقة المجتمع العلوي بحراك مرتبط برجل دين، ومفهومهم للطائفية عمومًا، وظروف الطائفة العلوية خصوصًا.

“تحولات كبيرة لكن غير جذرية”

يرى السياسي والباحث في العلاقات الدولية والشأن العام الوليد صالح، في حديث إلى عنب بلدي، أن المجتمع العلوي يشهد تحولات كبيرة على عدة صعد، لكنها ليست جذرية، تتمثل في علاقة الطائفة بالسلطة (وليس الحكومة)، إذ كان ربط الطائفة بالسلطة هو المسيطر وانقطع هذا الرابط بشكل مفاجئ، مشيرًا إلى أن المجتمع العلوي محب لمفهوم الدولة والوظيفة العامة، وهنا ظهرت مطالب هذا المجتمع في موقفه الرافض لفصل قسم كبير من أبنائه من الوظيفة العامة بما ينعكس سلبًا على الطائفة.

التحول الثاني، وفق صالح، في مفهوم الهوية، إذ برزت خلال السنة الماضية عدة أسئلة هوياتية حول مفهوم العلوية كطريقة صوفية وليست طائفة مستقلة، وعن مدى عمق هذا المفهوم حضاريًا وارتباطه بمختلف الثقافات والفلسفات، وعدم ربط العلوية بمفهوم طائفي ضيق، وبأن المجتمع العلوي ليس محصورًا بالمفهوم السياسي الذي ظهر لها خلال عقود.

بحسب صالح، يتمثل التحول الثالث في زيادة وتوسع ارتباط أبناء المجتمع العلوي مع بعضهم عبر الحدود الجغرافية، إذ كانت هذه العلاقة ضعيفة لأسباب كثيرة، مثل المجتمع العلوي في تركيا وفي المغترب، معتبرًا أن هذا التوسع في التقارب جاء بسبب الخوف على الهوية والتهديد لها.

وجاء التحول الرابع في المفهوم الاقتصادي، فالمجتمع العلوي في سوريا كان خلال عقود يعتمد في معيشته، غالبًا، على الراتب الشهري المحدود، والآن بدأ يتشكل مفهوم اقتصادي جديد للأفراد والعائلات حول ضرورة التوجه نحو المشاريع الصغيرة وإتقان الحرف الصناعية وضرورة تطوير الزراعة.

البحث عن ممثل ديني

عن التفاف العلويين حول شخصيات دينية، قال صالح، إن المجتمع العلوي مجتمع علماني متحرر في طبيعته، وبنفس الوقت يحترم رجال الدين، لكن في ظل الهجوم الهوياتي على المجتمع العلوي والتهديد له اعتمد على الدين للدفاع عن النفس، على حد تعبيره، وحاول إيجاد مؤسسة دينية تمثله كالمجالس الإسلامية العلوية في المحافظات لتوحيد التمثيل.

ويرى صالح أن قسمًا كبيرًا من المجتمع العلوي التف حول الشيخ غزال غزال، كمدافع عن وجود المجتمع العلوي والانتهاكات المستمرة، وجاء هذا الالتفات الديني، المؤقت، بسبب غياب القيادة المدنية السياسية للمجتمع العلوي، بسبب ارتباط المجتمع العلوي لعقود بالسلطة، ما منع وجود قيادات مدنية مدربة على قيادة المجتمع.

والسبب الثاني لهذا الالتفاف، بحسب صالح، عدم وجود أحزاب فاعلة يؤمن بها أفراد المجتمع العلوي قادرة على الدفاع عن حقوقه، وهذا المجال ما زال في بدايته، فالشباب والشابات العلويات بدؤوا بالتوجه نحو أحزاب وطنية لكي يمارسوا عبرها واجبهم في القيادة المجتمعية، وهذا ما يحتاج إلى وقت وخبرات وتدريب ودعم، أما بخصوص المواطنة فالمجتمع العلوي محب لمفهوم الدولة ولا يرى نفسه خارجها، ولذلك يدافع عن حقه كمكوّن أساسي في الدولة.

متغيرات جديدة

يرى الباحث في العلاقات الدولية والشأن العام الوليد صالح، أن هناك عدة تغيرات طرأت على المجتمع العلوي سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية:

  • التغيرات السياسية: ظهرت داخل المجتمع العلوي عدة تيارات منها ينادي بمحاولة التهادن مع السلطة، وهذا التيار لم ينجح في إيقاف الانتهاكات وإعادة الناس إلى قراهم في ريف حماة، والتيار الثاني ينادي بحق المجتمع العلوي كمكوّن مهم في سوريا ويعتمد على إظهار مطالبه سلميًا عبر الاعتصامات والإضرابات، ويطالب باللامركزية والفيدرالية، أما التيار الثالث فينادي بالانفصال عن الدولة وهو تيار ضعيف والمنادون به أغلبهم خارج الدولة.
  • التغيرات الاقتصادية: بدأ المجتمع العلوي بالتوجه نحو المشاريع الصغيرة والحرف والعمل كبديل عن الوظيفة، وفق صالح، كما تراجعت الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة، أما الطبقة الغنية فقسم منها توجه إلى خارج البلاد بسبب الظروف الأمنية، والقسم الثاني يكافح لبقاء ثروته، معتبرًا أن هذا الانزياح للطبقة الوسطى يجعل مهمة من يريد طرح مشاريع سياسية سهلة عبر الوعود الاقتصادية للطبقة الفقيرة.
  • التغيرات الاجتماعية: تحاول طبقة الإقطاع (التي أضعفها جمال عبد الناصر ثم البعث) العودة إلى المشهد عبر مشاريع سياسية أو اقتصادية، أما طبقة المثقفين فهي حتى الآن الأضعف حالًا، قال صالح، بسبب ظروف التهميش لعقود، وتحاول الصمود اقتصاديًا وهذا ما يضعف دورها، كما أن المجتمع العلوي يُعاني من نقص الشباب بسبب الحرب المدمرة أو الهجرة أو الهروب من الانتهاكات بعد سقوط النظام حيث غاب منطق القانون في الملاحقة الأمنية، بحسب الباحث، وهذا التراجع سبب في اعتماد العائلات على المرأة كمساعد قوي في تحمل الأعباء.
  • التغيرات الدينية: لم توجد مؤسسة تمثل المجتمع العلوي خلال عقود، حيث تم إدماج بعض رجال الدين في الأوقاف كمؤسسة رسمية لم تنل رضا المجتمع العلوي، ولذلك كانت المحاولة الأولى في المأسسة عبر محاولة إيجاد المجالس الإسلامية العلوية في المحافظات، والتي لم تستطع حتى الآن اختيار مرجعية موحدة، كما أن اختيار مجموعة من رجال الدين والمثقفين للشيخ غزال غزال كمرجع روحي لم يتطور بشكل مؤسسي حتى الآن رغم محاولات إيجاد مؤسسات كمكتب العلاقات العامة، والمجتمع العلوي انحيازه مؤقت لهذا الجانب الديني لأنه مجتمع علماني متحرر، وفق صالح.

ويرى صالح أن على السلطة أن تتعامل بمنطق الدولة مع جميع المكوّنات لا على أنها تمثل مكوّنًا محددًا، ويتمثل ذلك في حصر السلاح بيد الدولة وليس بمكوّن واحد، وأن تنفذ بناء على هذا المبدأ العدالة الانتقالية في محاكمة المجرمين من مختلف المكونات وليس المجتمع العلوي فقط.

كما دعا صالح السلطة للترخيص للأحزاب السياسية لسحب البساط من تحت المطالبين بمطالب طائفية أو عشائرية.

ويرى أن الحكومة لم تستطع أن تعبّر عن نفسها كممثل حقيقي لكل المكوّنات عبر تقاسم السلطة مع الممثلين الحقيقيين، ولم تستطع حتى الآن الخروج من “منطق الفصائلية إلى منطق الدولة”، وفق تعبيره، وذلك في التعاطي مع عدد من القضايا، أهمها القضايا التاريخية التي تدرّس في المدارس.

وختم صالح حديثه بالقول، إن ما سبق جعل مطالب هذا المكوّن تتطور من ترحيب ملموس وحقيقي بالنظام الجديد ثم الأمان ثم الكرامة، وصولًا إلى اللامركزية كمطلب سياسي للحفاظ على الأمان والهوية.

“الطائفة في حالة فراغ”

الناشطة الحقوقية في مركز “المواطنة المتساوية” المحامية سنابل سليمان، قالت لعنب بلدي، إن المجتمع العلوي بعد سقوط النظام كان مشتتًا وليست لديه رؤية أو اتجاه واحد بل اتجاهات مختلفة، لكن حاليًا وبعد مضي عام ترى أن هذه الاتجاهات بدأت تتلاقى نوعًا ما في بعض القضايا، وأهمها المعارضة لممارسات السلطة تجاه الطائفة.

وأضافت سليمان أنه بعد سقوط النظام، الذي كان قد أفرغ الطائفة العلوية من القيادات الاجتماعية والدينية وجعل نفسه المرجعية الوحيدة، أصبحت الطائفة في حالة فراغ من القيادات السياسية الدينية الموثوقة، ومع ممارسات السلطة منذ السقوط حتى الآن تعززت الهوية الدينية، وظهر الشيخ غزال غزال، الذي تزداد شعبيته يوميًا، بحسب رأيها، رغم أنه لم يكن معروفًا سابقًا.

وتابعت الناشطة الحقوقية في مركز “المواطنة المتساوية” أن الأغلبية ينزلون إلى الشارع نتيجة الخوف والفقر، في حين تقوم السلطة بتجاهلهم ومحاولة تعويم شخصيات من الطائفة ذوي قابلية للولاء لها، وليست لهم أي صفة تمثيلية أو تأثير مجتمعي، مع تجاهل للمثقفين والمتنورين والمعارضين للنظام السابق من العلويين.

وبحسب الناشطة الحقوقية، فإن العلاقة المستقبلية بين الطائفة والسلطة مرهونة بقدرة الأخيرة على تقديم حلول واقعية لمطالبهم، معتبرة أنه لم تظهر في الواقع أي مؤشرات جدية لذلك، وأن السلطة تنهج منهج الدولة الأمنية ودولة الولاءات لا دولة المؤسسات.

ودعت المحامية سليمان السلطة في هذه المرحلة الحرجة من التوتر الطائفي إلى تجريم الخطاب الطائفي ومنع مظاهره كحل إسعافي، ثم مشاركة سياسية وإدارية على جميع المستويات، بناء على الكفاءة لا على الولاء.

 لا توجه “حاسم” نحو التبعية الدينية

الباحث السياسي علي ثابت جديد، يرى في حديث إلى عنب بلدي، أن العلويين اندمجوا تاريخيًا بشكل كامل كمواطنين في الدولة السورية، وتعبير الشارع العلوي لم يكن مفهومًا مستساغًا لدى أبناء الطائفة العلوية وخصوصًا أمام انتشار الأحزاب العلمانية التي انتسب جزء كبير من أبناء هذه الطائفة لها، لذلك لم يكن في أي لحظة بعد الاستقلال هناك تبلور لأي مفهوم سياسي تحت عنوان الطائفية داخل الطائفة.

وأضاف جديد أنه بالرغم من مصطلح “العلوية السياسية” الذي حاول بعض اليساريين التسويق له بعد اندلاع الثورة السورية، فإنه في الحقيقة لم يكن لهذا معنى بين أبناء الطائفة العلوية، ومن كان يتابع تطور الثورة السورية كان عليه متابعة المشهد بين أبناء الطائفة العلوية، فرغم أنهم حافظوا على انخراطهم ضمن مؤسسات الدولة، كانت حالة التذمر تتوسع من خلال انتقادات شديدة لممارسات النظام البائد.

وفق جديد، بعد سقوط النظام والضغوط العديدة التي عانى منها العلويون والتي وصلت لأحداث 7 آذار، بدأ تغير المزاج وارتفاع مستوى وعي الهوية العلوية لدى أبناء الطائفة، والارتكاز عليها في التعريف عن المكوّن وفي مواجهة الآخر، وهذا جزء من سياسات السلطة الجديدة من خلال محاولات عديدة عبر أدواتها لتأسيس مجالس علوية تمثل أبناء الطائفة، وهذا الأمر انسحب على معارضيها، أي أنه بعد السقوط تراجع مفهوم المواطنة ليس عند العلويين فقط بل عند مختلف أبناء سوريا لمصلحة الانتماءات الصغرى، وتحول الدين والمذهب إلى عامل انتماء حاسم لدى المجتمع السوري.

وبحسب جديد، فإن الحوار مع أبناء الطائفة العلوية ومثقفيها، يخلص إلى أنه حتى اللحظة لا يوجد ترسخ لمفهوم التبعية الدينية لديهم أو الالتفاف حول رجال الدين كانتماء حاسم ونهائي، وإن جزءًا من القصة مرتبط بأنه الخيار الموجود حاليًا لدفع الظلم عنهم والتعبير عن حقوقهم، معتقدًا أن هذا الأمر ليس لدى أبناء الطائفة ولكنه مرتبط بمعايير ممارسة الدور السياسي الحالي ضمن الفضاءات المسموحة حاليًا في المجتمع السوري وطبيعة تركيب السلطة الحالية.

ويعتقد جديد أن استمرار ممارسات السلطة بتجاهلها التجاوزات على الأرض يدفع العلويين لتحويل انتمائهم الطائفي إلى العنوان الأساسي للتعريف عنهم، وما يزيد في تبلور ذلك ظهور كيانات سياسية تعتمد على المظلومية العلوية في التعريف عن نفسها، خصوصًا أمام انكفاء أي كيانات سياسية عابرة للطوائف قادرة على تأمين حقوقهم.

ويعتبر جديد أن السلطة هي المسؤولة عن أي تغييرات في المجتمع، فهي المسؤولة عن إعادة بناء المجتمع وتشكيلاته السياسية، إذ إن الخطاب الإعلامي للسلطة سمح للطابع التحريضي أن يتحول إلى خطاب عام يمر عبر مؤسسات السلطة الإعلامية، إضافة إلى عملية التهميش المقصودة عبر سياسات متبعة لتطهير مؤسسات الدولة المدنية من أبناء الطائفة العلوية، على حد قوله، تحت عناوين تمارس بطريقة انتقائية ضد أبناء الطائفة.

وأضاف جديد أنه في الوقت الذي يرفع فيه فاعلون بالسلطة شعارات حول العدالة الانتقالية ضد الفقراء من أبناء الطائفة العلوية، يحققون تسويات مع أغنيائها والفاعلين الأساسيين في المرحلة السابقة.

وتعد قضية التمثيل السياسي وحقوق المواطنة، وفق جديد، هي القضية الأساسية فيما يحدث، معتبرًا أنه إذا كان العنوان الأساسي للثورة السورية هو تحقيق الحرية والديمقراطية، لماذا نجد أن السلطة الجديدة تتوقف عند هذا العنوان وتبتعد عن الإجراءات التي تحقق ذلك، مؤكدًا أن ذلك ليس تجاه العلويين فقط، وهو ما يزيد من مخاوف العلويين لما هو قادم وخصوصًا مع استخدام مصطلحات التطويع والتمكين في خطاب من يباشر العمل على الملف العلوي، بالتالي السلطة هي من تعرّف مكوّنات المجتمع السوري بانتماءاتهم الطائفية.

وقال جديد، إن من يتابع المظاهرات الأخيرة التي خرجت في الساحل السوري، سيجد أن عناوين الشعارات التي رفعها العلويون أغلبها ما زالت ضمن سقف الدولة السورية ولم تخرج عنها، وهو ما يتطلب سياسات حقيقية تجاه هذا المكوّن والابتعاد عن حالة الغلبة.

كما أن استخدام سياسة تحريض مكوّنات المجتمع على بعضها لن تنتج سوى مشروع حرب أهلية، بحسب جديد، مشيرًا إلى أن من الخطأ اتهام العلويين باتهامات انفصالية، فالفيدرالية سواء اتفقنا أو اختلفنا معها هي نظام حكم معمول فيه وناجح بعدد كبير من الدول.

ويرى جديد أن من المهم للسلطة أن تعيد قراءة ماذا تحقق على الأرض خلال العام الماضي، إذ إن النقد الذاتي والقراءة المتأنية ستؤدي إلى نتائج أفضل لمصلحة كل السوريين، فما زالت الإمكانيات متاحة لبناء سوريا حقيقية لكل أبنائها بعيدًا عن سياسات الغلبة والفزعات في مواجهة مكونات المجتمع.

ويجد جديد أن الانتماء الوطني لسوريا ما زال الشعور الغالب لدى أبناء الطائفة العلوية، وكثير منهم قاموا بمراجعة حقيقية للمرحلة الماضية، ومن المهم التوقف في التعامل مع العلويين من خلال سرديات حملت الطابع السياسي وكانت جزءًا من الصراع الإعلامي والثقافي بين السلطة السابقة ومعارضيها منذ الثمانينيات حتى الآن.

“إشكاليات” حول الشخصيات المصدّرة في مرحلة ما بعد الأسد

يرى الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي في حديث لعنب بلدي، أن جذر التحولات في المجتمع العلوي السوري يرتبط باعتماديته المركزية على مؤسسات الدولة وبنى النظام السوري الرسمية وغير الرسمية للاندماج في المجتمع السوري وللبقاء الاقتصادي.

ومع سقوط نظام الأسد وتفكيك مؤسسات كالجيش والأمن وحزب “البعث”، وفصل آلاف من الموظفين كان من بينهم علويون كثر، وجد العلويون أنفسهم في حالة تيه وفراغ مؤلمة، قال الدسوقي، تعمقها الخسائر الفادحة التراكمية التي طالتهم اقتصاديًا وديموغرافيًا.

ويخالف الباحث وجهات النظر التي تقلل من رجل الدين العلوي غزال غزال، ويقول إنه قد نجح جزئيًا في تحدي الحكومة المركزية وحشد جزء من المجتمع العلوي في ثلاث مناسبات بين تشرين الثاني وكانون الأول 2025.

ويعتقد الباحث أن قدرة الشيخ غزال على الحشد وتجاوب شريحة من المجتمع العلوي معه مرتبطة بمكانته كرجل دين علوي، تلك التي تزايدت عقب عام 2011 في ظل تفاعل وتواصل رجال الدين العلويين أكثر مع مطالب واحتياجات المجتمع العلوي المرهق والمستنزف.

وتابع الدسوقي أن غزال هو الأقدر على تمثيل هوية المجتمع العلوي ذات البعد الديني في بيئة قلقة وذات مخاطر وجودية عالية، فضلًا عن إقامته خارج سوريا بما يمنحه قدرة أكبر على التواصل لحشد الدعم لمطالب العلويين.

ومع ذلك، أكد الدسوقي أن هنالك الكثير أمامه لحسم مسألة التنافس على مرجعية الطائفة العلوية، فذلك يتطلّب إزاحة المنافسين وضم المترددين وتعبئة الموالين والتعامل مع الانقسامات العشائرية والمناطقية بين علوية الساحل والداخل.

وبحسب الباحث، فإن حسم ذلك يعتمد على دعم خارجي (تمويل، غطاء سياسي، ودعم عسكري)، إضافة إلى مدى جاهزية الحكومة وقناعتها في تقديم مقاربة لبناء عقد اجتماعي جديد ينظم علاقة السوريين ككل بالدولة السورية، يجعل العلويين أكثر التفافًا حول الدولة كضامن وحامٍ لهم.

ويجد الدسوقي أن الخوف واليأس والتيه هي عناوين تصف حالة المجتمع العلوي عقب سقوط نظام الأسد، معتبرًا أن القيادة السورية نجحت بداية في وأد فتنة حرب أهلية مع إعلانها العفو العملياتي الذي شمل العديد من العلويين من منتسبي الجيش والأمن، إلا أنها لم تستدرك خطوتها تلك بمقاربة أشمل لإدارة العلاقة مع العلويين.

ولفت الباحث إلى أن فصل القيادة لآلاف موظفي الدولة بينهم علويون كثر رغم واقعية حججها دون توفير بدائل اقتصادية، وانتقائية تطبيق العدالة الانتقالية وما يشوبه من ملاحظات، وتصدير شخصيات علوية ذات تاريخ إشكالي كوسيط بين الدولة والمجتمع العلوي، عوامل لا تسهم في معالجة متوازنة لمخاوف وتساؤلات المجتمع العلوي في مرحلة ما بعد الأسد.

“تشتت ومحاولات لإعادة التشكل الذاتي”

اعتبر الناشط في الشأن العام غدير غانم، في حديث إلى عنب بلدي، أنه على مدى عقود طويلة جرى دمج العلويين قسرًا داخل الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة لحياتهم العامة، إذ لم يُتح لهم تطوير مؤسسات أهلية أو مدنية مستقلة، وبقيت الدولة وأجهزتها، ومعها حزب “البعث” والمنظمات الرديفة، الإطار الوحيد الناظم لعلاقاتهم الاجتماعية، وخدماتهم، وأمنهم، وحتى تعريفهم السياسي لأنفسهم.

وعلى خلاف مجتمعات سورية أخرى احتفظت بهياكلها الأهلية والدينية، وجد العلويون أنفسهم بعد انهيار هذا الإطار أمام فراغ مؤسسي شامل، ما يفسّر حالة الارتباك والتشتت ومحاولات إعادة التشكل الذاتي التي يشهدها الشارع العلوي اليوم، تابع الناشط في الشأن العام.

هذا الفراغ لم يكن إداريًا فقط، وفق غانم، بل تحول سريعًا إلى أزمة وجودية، دفعت المجتمع للبحث عن مرجعيات بديلة تستطيع أن تملأ جزءًا من هذا الفراغ.

ويرى غانم أن الالتفاف حول بعض الشخصيات الدينية، وعلى رأسها الشيخ غزال، يبدو ظاهريًا متناقضًا مع الطبيعة العلمانية التاريخية للمجتمع العلوي، غير أن هذا الالتفاف لا يعكس تحولًا عقائديًا بقدر ما يعكس بحثًا عن مرجعية عامة تمتلك لغة سياسية جامعة في زمن تلاشي السياسة والمؤسسات.

سياسيًا، وفق غانم، حمل سقوط النظام أثرًا نفسيًا عميقًا على العلويين، إذ لم يُستقبل بوصفه تحريرًا وطنيًا جامعًا، بل بوصفه هزيمة لطرف وانتصار لطرف آخر في سياق اصطفافات حادة أفرزتها الحرب. ومع ذلك، أظهر المجتمع العلوي في الأشهر الأولى درجة عالية من البراغماتية والإيجابية، سلّم السلاح، سوّى أوضاع العسكريين، عاد موظفوه إلى أعمالهم، وتكيّف مع التغييرات الرمزية والإدارية، في مؤشرات واضحة على الاستعداد للاندماج في النظام الجديد.

غير أن هذا المسار، بحسب غانم، تعرّض لانكسار حاد مع أحداث آذار وما رافقها من انتهاكات، ثم مشاركة مجموعات مدنية من مناطق أخرى في الاعتداءات، ما نقل شعور الخطر من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع، وكرّس الإحساس بالهزيمة والتهديد الوجودي.

ودعا غانم السلطة إلى فتح المجال السياسي الحقيقي، وإنهاء منطق الاحتكار، وإتاحة مشاركة فعلية، ولو تدريجية، للقوى السياسية والمدنية، وإطلاق مسار وطني جامع عبر مؤتمر وطني يعيد صياغة ملامح المرحلة الانتقالية من الدستور إلى إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية والهوية الاقتصادية.

كما يتطلّب الأمر، بحسب غانم، فك الارتباط مع رموز النظام البائد، والاعتماد على نخب وطنية وأكاديمية جديدة تحظى بقبول اجتماعي واسع، وتفعيل اللامركزية الإدارية والسياسية بما يتيح للمجتمعات إدارة شؤونها اليومية، إلى جانب معالجة عاجلة للملفات الحقوقية والتقنية العالقة، من العسكريين السابقين إلى الموقوفين والموظفين وتعويض متضرري أحداث آذار.

ويرى غانم أن الانتقال الجاد نحو دولة المواطنة، وفتح المجال السياسي، وإطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، وبناء شراكة وطنية شاملة، يمكن أن يعيد دمج العلويين ومعهم سائر السوريين، في دولة يشعرون بأنها دولتهم، لا سلطة فوقهم ولا خصم في مواجهتهم. فالمسألة اليوم لم تعد مسألة مكوّن بعينه، بل مسألة مستقبل سوريا ذاتها: إما دولة شراكة وعدالة، وإما دولة غلبة تؤسس لانقسامات لا تنتهي.

تيارات ترفض “شرعية” وخطاب غزال غزال

بالرغم من هذا الالتفاف المتصاعد، ظهر في داخل البيئة العلوية نفسها تيار يبدو “أكثر نضجًا”، وفق محللين، يضم شخصيات محلية وفعاليات اجتماعية أعلنت صراحة رفضها لخطاب غزال غزال، مؤكدة أنه لا يملك أي شرعية ليتحدث باسم الطائفة، وأن زمن “الممثل المفروض” قد انتهى.

هذا الصوت حاول أن يوازن بين الواقع المؤلم الذي يعيشه العلويون اليوم من مضايقات قد تصل في بعض الحالات إلى جرائم، وبين الحاجة إلى ألا يجري احتكار صوتهم من أي جهة، أو تحويل معاناتهم إلى أداة في يد أي فرد أو جهة سياسية.

كما تؤكد هذه الفعاليات أن حماية العلويين هي أولًا مسؤولية الدولة، باعتبارهم مواطنين يعيشون على أرضهم، وهذا أيضًا تحوّل يمكن العمل عليه لتشكيل تيارات سياسية عابرة للطوائف تكسر حدة الاصطفاف الحاصل حاليًا.

رامي مخلوف يهاجم نهج الشيخ غزال

في 31 من كانون الأول 2025، وجه رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، المقرب من عائلة الرئيس المخلوع، رسالة إلى أبناء الطائفة العلوية، مهاجمًا الشيخ غزال غزال ونهجه بشدة.

وحذر مخلوف، في مقطع مصور نشره عبر صفحته على “فيسبوك”، من أن دعوات رئيس ما يعرف بـ”المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، الشيخ غزال غزال، للطائفة بالتظاهر ورفع سقف المطالب قد تدفع بالعلويين إلى مكان خطر لا عودة منه، وتجرهم نحو الهلاك، على حد تعبيره.

وقال مخلوف، إن دعوات الشيخ غزال للنزول إلى الشارع بصدور عارية ليست سوى مسار غير مسؤول يخدم أجندات خارجية.

وزعم في تصريحه أن عائلة “جابر” تقف خلفه وهي الجهة ذاتها التي لعبت دورًا في التخطيط لأحداث الساحل في آذار 2025، مشيرًا إلى أن هذه العائلة هي التي سهلت له لاحقًا الانتقال إلى الشمال.

واتهم مخلوف هذه الأطراف بالسعي إلى إدخال العلويين في مشروع سياسي وعسكري لا يملك ضمانات حقيقية لحمايتهم.

وانتقد بشدة طرح الفيدرالية بوصفها حلًا، موضحًا أنها لا تحمي أحدًا من الاعتقال أو الملاحقة ما لم تكن مدعومة بقوة ومنظومة متماسكة.

وقال رامي مخلوف إن ما يطفو على السطح “محض أوهام سياسية”.

كما اعتبر أن الاحتجاجات التي شهدها الساحل السوري لا معنى لها، داعيًا العلويين إلى عدم الانجرار بفعل “غريزة القطيع”، والتزام التهدئة في هذه المرحلة الحساسة، بحسب تعبيره.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة