
مسيرة بتوجية من مجالس القامشلي لاستقبال المقاتلين الخارجين من الشيخ مقصود - 11 كانون الثاني 2026 (وكالة هاوار)

مسيرة بتوجية من مجالس القامشلي لاستقبال المقاتلين الخارجين من الشيخ مقصود - 11 كانون الثاني 2026 (وكالة هاوار)
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الخارطة العسكرية في حلب وريفها، تشهد مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية” شمال شرقي سوريا تحولات داخلية حادة، بدأت تخرج إلى العلن عبر استقالات جماعية واحتجاجات طلابية، قوبلت بإجراءات أمنية مشددة.
وتكشف المعلومات التي حصلت عليها عنب بلدي، من مصادر متقاطعة وعبر مراسليها في عدة مناطق، عن استراتيجية جديدة تتبعها السلطات لضبط “الولاء” داخل مؤسساتها، مستخدمة وسائل تتراوح بين الترهيب الوظيفي وسلاح “اللقمة المعيشية”.
في تطور هو الأول من نوعه بهذا الحجم، علمت عنب بلدي من مصادر إعلامية متقاطعة داخل مدينة الرقة، عن تقديم مجموعة من الإعلاميين العاملين في “مركز الرقة الإعلامي” استقالاتهم بشكل مفاجئ، احتجاجًا على ما وصفوه بـ “التحول الأمني” في إدارة الملف الإعلامي.
وأفاد مصدر إعلامي (طلب عدم الكشف عن اسمه لضرورات أمنية) بأن الشرارة بدأت عندما تحولت مجموعات التنسيق الرسمية إلى “غرف تحقيق”، حيث طُلب من الكوادر الإعلامية تبني سردية عسكرية مطلقة وتخوين أي صوت يدعو للحياد.
وأوضح المصدر أن عددًا من الإعلاميين تعرضوا لـ”تنبيهات أمنية” بسبب منشورات على حساباتهم الشخصية، عبّروا فيها عن تساؤلات حيال الجدوى من استمرار المعارك في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب.
هذا الضغط، الذي انتقل من العتاب المهني إلى التهديد بالاعتقال، ولّد شعورًا لدى الكوادر المحلية بأنهم تحولوا إلى “أدوات تعبئة” تفتقر لأدنى هوامش التحرك الصحفي، مما أحدث شرخًا عميقًا بين الطواقم المحلية والقيادات الإعلامية المركزية التابعة للإدارة، وهو ما ينذر بشلل في التغطية الإعلامية الميدانية في أهم معاقل الإدارة الذاتية.
لم تقتصر الأزمة على الجانب الإعلامي، بل وصلت شرارتها إلى الحرم الجامعي في مدينة القامشلي. ففي واقعة وثقتها عنب بلدي عبر شهادات طلابية، تحولت جامعة “روج آفا” (التي تُقدم كنموذج أكاديمي للتعددية) إلى ساحة للصدام القومي بين الطلاب العرب والكرد.
وبدأت الحادثة بمشادات كلامية على خلفية التطورات الميدانية في حلب، وسرعان ما تطورت إلى تدخل مباشر من قوات “أسايش” (قوى الأمن الداخلي). وبحسب شهادات الطلاب، فإن التدخل الأمني اتسم بـ “الانتقائية”؛ حيث تركزت عمليات المداهمة والاعتقال داخل السكن الجامعي والقاعات على الطلاب المنحدرين من المكون العربي، بتهمة “التعاطف مع الحكومة”.
داخل أروقة المؤسسات المدنية، رصدت عنب بلدي نمطًا جديدًا من “الإرهاب الوظيفي” يُمارس عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. إذ تحولت مجموعات “واتساب” الخاصة بالعمل إلى منصات للمزايدات الوطنية، حيث يتم رصد تفاعلات الموظفين بدقة.
وكشفت مصادر من داخل مؤسسات الإدارة أن إعلاميين وشخصيات مقربة من دوائر صنع القرار بدأت بنشر قوائم بأسماء ناشطين وصحفيين محليين، واصفة إياهم بـ “الطابور الخامس”.
وتعتمد هذه القوائم على رصد “إعجابات” أو تعليقات لا تتماشى تمامًا مع الخطاب الرسمي، مما خلق حالة من الرعب والرقابة الذاتية لدى آلاف الموظفين، الذين باتوا يخشون الفصل أو الملاحقة الأمنية في حال التزام الصمت أو إبداء الرأي.
في تطور يمس الحياة اليومية للمدنيين، حصلت عنب بلدي على تسريبات لرسائل وجهها رؤساء “كومينات” (مجالس أحياء) في القامشلي والحسكة، تُلزم الأهالي بالمشاركة في مسيرات داعمة للقوات العسكرية ومنددة بالتحركات الأخيرة في حلب.
وفي “كومين لوند” بالقامشلي وحي “تل حجر” بالحسكة، تجاوزت الدعوات طابعها الاختياري لتصبح “أوامر إجبارية” تحت طائلة العقوبات الخدمية.
وتضمنت التهديدات التي اطلعت عليها عنب بلدي ما يلي:
يعكس لجوء “الإدارة الذاتية” لهذه الأساليب الخشنة حالة من “القلق الأمني” المتزايد من احتمالية تغير موازين القوى في دير الزور والرقة، نتيجة الضغوط العسكرية في حلب.
إلا أن ناشطين في المنطقة يحذرون من أن سياسة “التعبئة القسرية” قد تؤدي لنتائج عكسية تمامًا، فاستخدام الحاجات الأساسية (الخبز، الغاز، الوظيفة) كأدوات للضغط السياسي يولد شعورًا بالانفصام بين السلطة والمجتمع، ويفاقم من حالة “المظلومية” لدى المكونات التي تشعر بالتهميش.
وفي منطقة تتسم بتداخل عشائري وقومي معقد، فإن أي شرخ في “الثقة المجتمعية” قد يتحول إلى فتيل صدام أهلي يصعب احتواؤه مستقبلًا.
تواجه “الإدارة الذاتية” اليوم تحديًا مزدوجًا، فمن جهة تسعى لضبط الجبهة الداخلية عسكريًا، ومن جهة أخرى تخسر “الحاضنة الشعبية” نتيجة القبضة الأمنية المفرطة، مما يجعل استقرار المنطقة مرهونًا بمدى قدرتها على التراجع عن سياسات “التخوين” والعودة إلى مسار الحوار المجتمعي الحقيقي.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى