الكلمة كمرآة لا كرصاصة.. كيف يقنع الإعلام الجمهور المتعنت

tag icon ع ع ع

علي عيد

إقناع المختلف المتعنّت عبر الصحافة ليس معركة خطابة ولا مباراة كسب نقاط، بل عمل بطيء بدأب، يشبه تفكيك جهاز معقّد قطعة قطعة، من دون كسره ومن دون أن يشعر صاحبه أنك تحاول سرقته منه.

خلال سنوات الحرب في سوريا، جرى تفكيك المجتمع إلى كيانات وجزر اجتماعية متناقضة، والسبب العميق هو عقود من الظلم، وانصراف النظام الحاكم عن بناء الهوية الوطنية.

اليوم، هناك صراع على الهويات، يدار ضمن صراع أكبر على بناء الدولة، ولأن الثقة منعدمة بشكل تراكمي، يبدو الإعلام في موقف محرج. كيف يمكن الخروج من هذا النفق، طالما أن كل رواية يعتبرها جزء من الجمهور خطابًا عدائيًا وإلغائيًا، وتثبيتًا لسرديته.

هل نجح الإعلام يومًا في ردم الهوة؟ حصل هذا لأهداف نبيلة، حيال قضايا مثل اللقاحات والأمراض، وأهداف خبيثة مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فيما عُرف بـ”بريكست/Brexit” وهو ما كشف عنه الفيلم الوثائقي “الاختراق الكبير” (The Great Hack)، حين تلاعبت شركتا “فيس بوك” و“كامبريدج أناليتيكا” (Cambridge Analytica)‏ المتخصصة بجمع البيانات وتحليلها، بالرأي العام لتحقيق الغرض، عام 2016.

هل الهدف تكسير جمجمة الجمهور لتضليله، أم تفتيت تعنّته السلبي. هنا تضعنا الإجابة في مأزق الإعلام الأخلاقي والمسؤول.

تتداخل عوامل نفسية وغريزية وسياسية وأيديولوجية في صراع السرديات، ومواجهة هذا التحدي أخلاقيًا يتطلب أمرين اثنين في الإعلام، الأول: فهم وتفكيك طبيعة الصراع. الثاني، التركيز على الهدف النبيل من كسر التعنّت.

فيما يخص موقف الجمهور في سرديات الحرب، يمكن اعتبار موقف الجمهور الأمريكي من حرب فيتنام واحدًا من أهم الأمثلة. في البداية كان الرفض الشعبي محدودًا، والمعارضة تُصوَّر كخيانة.

الإعلام لم يبدأ بتبنّي خطاب أن “الحرب خطأ” مباشرة، بل نقل صورًا يومية: توابيت، جنود مرهقون، قرى محترقة، تناقضات بين تصريحات “البنتاجون” والواقع. الجمهور لم يتحوّل فجأة، لكنه بدأ يشكّ في الرواية الرسمية.

وكانت لحظة “هجوم تيت” فاصلة، لأن الإعلام عرض الحدث كما هو، لا كما قيل إنه يجب أن يُفهم. التعنّت الوطني انكسر عندما لم تعد القصة متماسكة.

ما يهمنا هنا ليس الحرب، بل آلية تغيّر وعي الجمهور، والتعنّت بوصفه سلوكًا اجتماعيًا، يمكن أن تستثمره أحزاب، جماعات، سلطة، لتمرير أجندتها، فهي بحاجة لشحن المجتمع وتوجيه طاقاته نحو أهدافها.

هناك قواعد تدار وفقها المعركة الإعلامية في مواجهة التعنّت، وأول ما يجب فهمه أن المتعنّت لا يقرأ ليقتنع، بل ليحمي موقفه، ويكون دماغه في وضعية دفاع وبحث عن الثغرة لا الحقيقة.

أي لغة هجومية في الإعلام، أو محاولة لتمرير شعور بالتفوق الأخلاقي عبر الرسالة، تجعله أكثر تصلّبًا.

الصحافة يجب ألا تبدأ بالحجّة، بل بخفض منسوب التهديد، من خلال إعادة تعريف ساحة النقاش، ونقل النقاش من الهوية إلى الوقائع خطوة حاسمة، لأن الهويات تُقاتل، أما الوقائع فيجري فحصها ومحاكمتها مليًا.

أكبر الأخطاء تكون عبر الدخول من باب “أنا وأنت” (أنا على حق وأنت مخطئ)، والباب الواسع لكسر التعنّت هو “ما الذي نعرفه يقينًا؟ وما الذي نختلف عليه؟

البدء بالإشارة إلى نقطة صحيحة أو مبرَّرة في موقف المتعنّت يربكه، وهذا يأتي عبر الاعتراف الذكي الجزئي، لزعزعة ثنائية “أنا محق بالكامل وأنت مخطئ بالكامل”، ما يؤدي إلى اختراق نفسي محدود لكنه عالي القيمة.

بعد ذلك تُستخدم الأسئلة بدل الاستنتاجات، والصحافة الجيدة لا تقدم محتوى جافًا ومباشرًا بصيغة “هذا خطأ وهذا صواب”، بل تعتمد مقاربة “إذا كان هذا الأمر صحيحًا، فكيف نفسّر ما يحصل”.

السؤال يجبر القارئ على إكمال الجملة داخل رأسه، وعندها يصبح شريكًا في التفكير بدل أن يشعر بأنه يتعرض للهجوم.

يجب تقديم الأدلة كمرآة للجمهور لا كرصاصة يشعر أنها تهدده أو تستفزّه، وهذا يتطلب الاعتماد على الأرقام والوثائق والشهادات، دون استعراض ولا إفراط يأتي بأثر معاكس، وليس مطلوبًا أن يشعر المتعنّت بأنك تحاصره، ودليل منطقي علمي واحد وفي السياق الصحيح، أفضل من لائحة كاملة.

تعتبر اللغة حاسمة في الأزمات، ومع تعنّت الجمهور، لأن كل كلمة شحن أو سخرية أو وصم أخلاقي تعني تشبثًا بالموقف وخسارة فورية، والصحافة التي تُقنع المختلف المتعنّت تكتب لغة هادئة باردة ودقيقة، والصحفي ليس قاضيًا أو واعظًا، بل مهندس شكّ صحي، يعتمد على الوقائع لا على الشتائم.

لا يمكن تغيير موقف المتعنّت الآن، بل يمكن زعزعة يقينه عندما يدور في رأسه سؤال واحد جديد، والتغيير الحقيقي يحدث لاحقًا، حين يكون وحده.

يتطلب الأمر مسارًا تحريريًا يحترم عقل القارئ ولا يستفزه، يكون قادرًا على إعادة تشكيل زاوية النظر ببطء، من دون أن يترك آثار كسر، ويحتاج إلى مؤازرة كل القطاعات، وأولها المجتمع المدني.

إذا استطعنا تمرير هذا الأسلوب في الصحافة والإعلام، فهل الأمر ممكن في وسائل التواصل الاجتماعي المنافسة، لكسر دائرة الإنكار والعنف والتصلّب في الموقف. هذا سؤال المليون هذه المرة.. وللحديث بقية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة