لوحة حية للماضي والحاضر

سوق “الحبال”.. قلب حلب القديمة ينبض بين ركام الحرب

سيدة تنظر إلى رسومات معلقة على الجدران الخارجية لمحال تجارية بسوق الحبال بحلب القديمة - 21 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي)

camera iconسيدة تنظر إلى رسومات معلقة على الجدران الخارجية لمحال تجارية بسوق الحبال بحلب القديمة - 21 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – محمد ديب بظت

لم تنشط الأسواق في المدينة القديمة بحلب جميعها دفعة واحدة، بل فتحت أبوابها تدريجيًا على شكل ممرات متفرقة، فبعضها استأنف عمله، بينما بقي آخر مغلقًا، وبين هذين المشهدين يتحرك الناس بمحاولتهم استعادة إيقاع الحياة اليومية، يمشون بين أزقة المدينة القديمة والمحال، وكأن المدينة القديمة تستعيد تدريجيًا نبضها المألوف.

كل زاوية في هذه الممرات تحكي قصصًا عن ماضي المدينة الذي لا يُنسى، وعن الحاضر الذي يحاول أن يجد لنفسه مكانًا بين الركام والذكريات.

شبكة متداخلة

تتميز أسواق حلب القديمة بأنها شبكة متداخلة من الممرات، فمن سوق “الحبال” يمكن العبور إلى أسواق “الساقطية” و”الجلوم” و”العطارين”، في مسار اعتاده الحلبيون لعقود طويلة، وكان جزءًا من حياتهم اليومية.

في المقابل، لا تزال أسواق أخرى خارج هذا المشهد، مثل أسواق “الصرماتية” و”الذهب” و”الصوف”، حيث لم تعد الحركة إليها بعد، وبقيت حاضرة كأسماء أكثر منها أماكن مفتوحة.

بين أسواق عادت إلى العمل وأخرى تنتظر، تستعيد المدينة القديمة جزءًا من حركتها المعتادة، عودة هادئة بلا ضجيج، يقودها فتح باب محل، مرور زبون، وصوت مألوف في ممر قديم، وصدى أصوات التجار، كما كانت حلب دائمًا، مدينة تعيش من أسواقها ومع أبسط تفاصيلها.

تحول في سوق “الحبال”

في سوق “الحبال” تبدو العودة أوضح، فالسوق الذي عُرف تاريخيًا ببيع الحبال ومستلزمات المهن التقليدية، عاد إلى الحركة منذ عام 2023، مع افتتاح معظم محاله وعودة الزبائن إليه يوميًا.

إلى جانب المهن القديمة في السوق، دخلت أنشطة جديدة أضافت ألوانًا مختلفة للمشهد العام، مثل النقش اليدوي وبيع المواد التراثية ومحال النحاس والليف التقليدي المستخدم في الحمامات، إلى جانب محال للعطور والصابون، وجعلت هذه التفاصيل السوق لوحة حية تتداخل فيها المهن، كما كانت أسواق حلب دائمًا مكانًا للحياة والعمل معًا.

الحرفي أيمن سعيد، الذي يملك محلًا مختصًا بالرسم النافر على الخشب داخل سوق “الحبال”، قال إن السوق كان سابقًا مخصصًا بالكامل لبيع الحبال والشباك التي يحتاج إليها الصيادون في ريف حلب والمناطق الساحلية، لكنه اليوم تحول ليضم عددًا من المهن التراثية التي لم تكن موجودة سابقًا.

وأضاف خلال حديثه لعنب بلدي، سعيد أن الرسم النافر على الخشب الذي يمارسه هو حرفة ورثها عن أجداده، وتعد من الحرف التراثية المعروفة في حلب وسوريا عمومًا، وكانت تنفذ تاريخيًا في القصور والبيوت العربية القديمة والأسقف المستعارة، ولا يزال الطلب عليها موجودًا، خاصة لدى من يسعون للحفاظ على “نَفَس” البيت الحلبي القديم.

وأوضح أن السوق تعرض لدمار كامل خلال سنوات الحرب، قبل أن تعود إليه الحركة تدريجيًا، ومع عودة النشاط، بدأت تظهر حركة سياحية محدودة، إلى جانب زيارة المغتربين الذين يقصدون السوق لشراء قطع تراثية تمثل حلب، ليأخذوها معهم كهدايا خارج البلاد، ولتبقى ذاكرة المدينة حاضرة معهم رغم البعد.

مدخل سوق الحبال بحلب القديمة - 21 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي)

مدخل سوق الحبال بحلب القديمة – 21 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي)

السوق تغير

قال سالم جاويش، إن صناعة الحبال كانت تتم في منطقة يعرفها الحلبيون باسم “المغاير”، حيث كانت الورشات تصنع الحبال داخل مغارات، ويوضع الحبل ويشد لمسافة طويلة، وكان وجود الرطوبة داخل المغارة ضروريًا قبل أن تعتمد الحرفة على الماكينات.

وأضاف جاويش خلال حديثه لعنب بلدي، أن السوق اليوم تغير كثيرًا، فكل صاحب محل يعرض صنفًا مختلفًا، بينما كان السوق سابقًا مقصدًا لأبناء ريف المدينة، ويفتح منذ ساعات الصباح الأولى.

ويستذكر الحركة التي كانت تعم الأسواق قبل الحرب، خاصة خلال الأعياد ويوم الوقفة، حينما كان كل شارع نابضًا بالحياة، والأصوات تتداخل مع الروائح والألوان القديمة.

وعن حركة السوق الحالية، يرى جاويش أنها ليست كما كانت، ويربط ذلك بتوجه الأهالي نحو أسواق أخرى في المدينة مثل الفرقان والسبيل والموكامبو.

كما أشار إلى أن إغلاق باب الجامع الأموي القبلي، المطل على سوق “الحبال”، أثر بشكل كبير على الحركة، إلى جانب الخراب في الأسواق المجاورة مثل سوق “الصرماتية”.

الأسواق اليوم، بحسب جاويش، صارت أماكن للزيارة والتجوال، أكثر من كونها مساحات للبيع والشراء، مع وجود أماكن مثل مزار “النبي زكريا” الذي أضاف بعدًا دينيًا وتراثيًا وسياحيًا، ويجعل الزائرين يتوقفون للحظة بين محال الحبال والنقش والخشب.

صعوبات أمام الترميم

تبرز العديد من التحديات أمام الجهات القائمة في المدينة بما يخص إعادة التأهيل، وأبرزها نقص التمويل اللازم لاستكمال أعمال الترميم.

وكان مدير آثار حلب، منير القسقاس، أعلن أن بعض الأسواق القديمة في المدينة قد شهدت أعمال ترميم خلال الفترة التي تلت سقوط نظام الأسد، من بينها سوق المحمص، حيث جرى إعادة تأهيل 24 محلًا.

وفي المقابل، لا تزال أسواق أخرى، مثل “العبي” و”الباطية” و”الدراع” و”الجوخ” و”الصياغ” و”الصرماتية”، تنتظر أن تشملها أعمال إعادة الإعمار، منتقدة بطء العملية حتى الآن.

وشهدت بعض أسواق المدينة القديمة في حلب أعمال ترميم محدودة خلال السنوات الأخيرة، نفذتها جهات تابعة للرئيس المخلوع بشار الأسد، أبرزها “الأمانة السورية للتنمية” التي تعرف بارتباطها الوثيق بأسماء الأسد، إلى جانب مؤسسة “الآغا خان”، ما أسهم تدريجيًا في عودة الحركة إلى أسواق مثل “الجلوم” و”أنطاكية”.

وشملت هذه الأعمال أسواقًا متفرقة كـ”السقطية” و”العبي” و”الحبال”، وركزت على ترميم الواجهات الحجرية وتركيب الأبواب وتحسين البنية التحتية.

ورغم أن تلك الأعمال ساعدت في إحياء بعض الأسواق الأقل تضررًا، فإن أسواقًا مركزية أخرى، مثل “الزهراوي” و”السويقة”، بقيت خارج دورة الحياة التجارية، نتيجة حجم الدمار الكبير فيها، وغياب خطة شاملة لإعادة تأهيلها.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة