سوريا.. لا حوامل لمشروع تحول ديمقراطي

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

يخطئ من يظن أن التحول الديمقراطي يمكن أن يكون قرارًا سياسيًا يُتخذ من أعلى، أو شعارًا يُرفع في لحظة سياسية عابرة، أو استجابة شكلية لضغوط خارجية.

التحول الديمقراطي هو مسار تاريخي معقد لا يمكن التأسيس له ولا بناؤه في الفراغ، بل يحتاج إلى حوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وقانونية حقيقية، تشكل مجتمعة الأرضية التي تسمح لهذا التحول أن يولد وينمو ويترسخ، لكن مع الأسف فإنه في الحالة السورية، تبدو هذه الحوامل حتى اللحظة غائبة أو مدمرة أو مشوّهة إلى حد يجعل الحديث عن مشروع تحول ديمقراطي أقرب إلى التمني منه إلى السياسة الواقعية.

الحامل الاقتصادي هو أول هذه الحوامل، حيث لا ديمقراطية بلا اقتصاد قادر على تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطنين، ولا مشاركة سياسية حقيقية في ظل الفقر المدقع وانعدام الأمان المعيشي، وكما هو معلوم فإن الاقتصاد السوري اليوم في حالة يُرثى لها، فهو منهك، ومشلول، وقائم في جوهره على الزبائنية وشبكات الفساد المتغلغلة والمتشعبة كأذرع الأخطبوط، وعلى محدثي النعمة من أثرياء الحرب الذين راكموا ثرواتهم من الدمار والتهريب والاحتكار.. هذه البنية الاقتصادية لا تنتج طبقة وسطى مستقلة، بل تنتج تبعية وخوفًا وارتهانًا، وفي ظل اقتصاد كهذا، يتحول المواطن من فاعل سياسي محتمل إلى فرد منشغل حصرًا بالبحث عن لقمة البقاء، فاقد للقدرة على التفكير في الشأن العام أو المطالبة بحقوقه السياسية.

والحامل السياسي بدوره معدوم، فلا يزال العمل السياسي في سوريا مؤمم ومصادَر بالكامل لمصلحة السلطة وحدها، فلا أحزاب ولا تعددية سياسية، ولا تنافس سلمي على السلطة، ولا تداول لها، فالفضاء العام مصادَر تمامًا لمصلحة هيئة سياسية أنشأتها السلطة لتكون بمثابة حزب ملثّم ومقنّع يستنسخ تجربة قرينه “البعث” الذي طوّب قائدًا للدولة والمجتمع.. في ظل هذا الواقع، لا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي لأن السياسة نفسها مفرغة من معناها، ومختزَلة في إدارة الولاءات لا في تمثيل المصالح أو بلورة البرامج العامة.

الحامل الاجتماعي بدوره، والذي يفترض أن يكون الرافعة الأعمق لأي تحول ديمقراطي، ليس هشًا فحسب، بل معطوب ومحطّم تمامًا، فالمجتمع السوري خرج من سنوات طويلة من العنف والحرب مثقل بكل أشكال الانقسامات الطائفية والمناطقية والإثنية والعشائرية، والروابط الوطنية الجامعة تآكلت وأُعطبت، وتراجعت فكرة المواطنة لحساب الهويات الفرعية التي لجأ إليها الأفراد بحثًا عن الملاذات الآمنة التي تشكل وفق اعتقادهم طوف نجاتهم.. إن مجتمعًا بهذا القدر من التشظي لا يمكن أن يكون حاملًا لمشروع ديمقراطي، لأن الديمقراطية تفترض حدًا أدنى من الثقة المتبادلة، ومن الإحساس بالمصير المشترك، وكل ذلك ما زال مفقودًا.

أما المجتمع المدني، الذي يعوّل عليه كثيرًا في أدبيات التحول الديمقراطي، فحالته في سوريا لا تقل إشكالية، لأن معظم منظمات المجتمع المدني الموجودة اليوم تعاني من هشاشة بنيوية، وتغلب عليها النزعة الشعاراتية والارتجال، وهي في كثير من الأحيان لا تنطلق في معظم برامجها من احتياجات المجتمع الفعلية، بقدر ما هي استجابة لشروط الجهات الممولة وبرامجها وأولوياتها، فيتحول العمل المدني في هذه الحالة من أداة تمكين اجتماعي إلى وسيلة تأمين تمويل واستدامة مؤسسية شكلية منفصلة عن الواقع الاجتماعي واحتياجاته وموجبات تطوره، وبالتالي تصبح غير قادرة على إحداث أثر تراكمي في الوعي أو في البنية الاجتماعية.. واستتباعًا فإن الحامل الثقافي والمعرفي، الذي هو ربما الأخطر والأعمق، وبعد عقود من الاستبداد وعقد ونصف من الحرب، فإن المجتمع السوري لم يشهد تحولات جدية في بنيته الفكرية والثقافية، بل على العكس تكوّر على نفسه، وأخذ يجتر تراثًا مجتمعيًا ودينيًا مثقلًا بالأوهام، ويستعيد أنماط تفكير غيبية، ترفض النقد وتخشى العقل وتسعى إلى اليقين المغلق ولا شك بأنه في بيئة كهذه، لا تجد قيم الديمقراطية التربة اللازمة والكافية للنمو.

ولا يقل بؤسًا عن الحوامل الأخرى الحامل القانوني، الذي بدوره يعاني من تقادم شديد وعبث واضح،  فالمنظومة القانونية السورية لم تُبنَ أصلًا لخدمة المواطن أو لحماية الحقوق والحريات، بل صيغت لتكون أداة ضبط وسيطرة بيد السلطة، فالقوانين لا تقوم بوظيفة الارتقاء بالمجتمع بقدر ما هي استجابة جبانة لتراكمات العادات والموروث الاجتماعي المعطوب، وحتى في ظل وجود قوانين جيدة تلبي حاجات المجتمع وارتقاءه فإن غياب مبدأ سيادة القانون عمليًا يجعل من عبارة “دولة القانون” نكتة سمجة، وبالتالي تصبح الديمقراطية بلا أسنان، لأن الحقوق تبقى نصوصًا بلا آليات حماية.

إن مشروع التحول الديمقراطي في سوريا ليس مستحيلًا من حيث المبدأ، لكنه سيكون كذلك طالما كانت حوامله غائبة، فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع، ولا دستورًا يُكتب على عجل، ولا انتخابات تُجرى على أنقاض مجتمع محطم، هي مسار طويل، يبدأ بإعادة بناء الإنسان والاقتصاد والبنى المعرفية والثقافية والقانونية للمجتمع، وما لم يتم الاشتغال على معالجة هذه الأعطاب البنيوية العميقة، سيبقى الحديث عن التحول الديمقراطي مجرد خطاب جميل لكنه منفصل عن الواقع، وعاجز عن إنتاج أي تغيير حقيقي، فالمشكلة باختصار ليست في غياب الرغبة المعلنة بالديمقراطية، بل في غياب الشروط الموضوعية التي تجعلها ممكنة، وكل قفز فوق هذه الحقيقة لن تقود إلا إلى إعادة إنتاج نموذج جديد للفشل لا أكثر.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة