بمناسبة أول مدونة سلوك يكتبها الإعلام السوري
علي عيد
اليوم لا نطلق وثيقة بل التزامًا يضع حجر الأساس لعلاقة يجب أن تُعاد صياغتها بين الإعلام والمجتمع.
لقد مرّت الدول الكبرى وصولًا إلى الأضعف بظروف مشابهة، فالهشاشة الاجتماعية والحروب تخلق بيئة خصبة للفوضى الإعلامية وتعدد الروايات والشائعات والكراهية.
في أواخر القرن الـ19 وبداية الـ20، عاشت الصحافة في الغرب مرحلة انتشار النزعات الأيديولوجية والحروب، والتضليل، والمبالغة والتهويل، والخلط بين الرأي والخبر. هذا دفع مؤسسات إلى التفكير بتنظيم ذاتي.
وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تصاعد النقاش حول “النظام الإعلامي الدولي الجديد”. وأقرّت “UNESCO”، “المبادئ الدولية لأخلاقيات الصحافة”، بمشاركة منظمات صحفية عالمية. هذه الوثيقة أعطت بُعدًا كونيًا لفكرة المدونة.
وفي بريطانيا مثلًا، تطورت آليات التنظيم الذاتي وصولًا إلى “Ofcom”، إذ ظهرت “مدونة البث” (Broadcasting Code) الملزمة قانونيًا لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة.
وخلال العقدين الماضيين، ولّدت تحديات العصر الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي إشكاليات جديدة، بسبب الأخبار الكاذبة، والتلاعب الرقمي، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والتي باتت أداة لتدمير المجتمعات.
هناك اليوم مليارات الهواتف والأجهزة الذكية المتصل بالشبكة، والعالم يدار على شاشة الهاتف.
ويوجد ما يقارب 400 مدونة سلوك على المستوى الوطني (في العالم)، تشكل استجابة تاريخية لأزمات ثقة حقيقية بين الصحافة والمجتمع، ومواءمة بين المسؤولية والحرية، وحماية الصحفيين أنفسهم.
مدونات السلوك لم تُكتب لأن الصحفيين متهمون ولا لأنهم ملائكة، بل لأنهم بشر يعملون في بيئة تتنازعها هواجس ومصالح وضغوط.
وكل موجة تاريخية من الأزمات والحروب، والفضائح، والاحتكار الإعلامي، والثورات التكنولوجية، أنتجت إعادة تعريف للأخلاق المهنية.
المدونة ليست نصًا أخلاقيًا جامدًا، بل هي عقد اجتماعي متجدد بين الإعلام والمجتمع.
وهي ليست قائمة تعليمات، وأداة ضبط، بل تعبير عن نضج المهنة عندما تقرر أن تنظم نفسها بنفسها، وأن تضع معاييرها بوعي ومسؤولية.
في كل المجتمعات التي مرت بتحولات عميقة، كان السؤال المركزي: كيف نستعيد الثقة؟ وكيف نقدم خدمة مسؤولة؟
الثقة لا تُفرض بالقوانين وحدها، ولا بالشعارات، بل تُصنع بالممارسة اليومية.
ومهنة الصحافة تعيش على الثقة أو تسقط بسقوطها.
الكلمة الصغيرة قد تنتهي بحرب، قطيعة، ظلم، فلنكن مسؤولين عما نقول وننقل. “وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟”.
اليوم تشهد سوريا للمرة الأولى تجربة أن يقوم الصحفيون أنفسهم بكتابة مدونتهم.
بدأ هذا الجهد منذ 14 من أيلول 2025، وسط بيئة معقدة من التحديات التي تفرضها الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد.
الإعلام هو المكان الذي تلتقي فيه الجغرافيا والأيديولوجيا والسياسة والمصالح والاختلافات، فليكن مكان الصدام المتوازن بمعايير مهنية وأخلاقية، هناك فرصة سانحة للقيام بالمهمة المُلحة اليوم قبل الغد.
جاءت هذه المدونة:
لتؤكد أن حرية الإعلام لا تنفصل عن مسؤوليته.
وأن الاستقلال لا يعني الفوضى.
وأن الجرأة لا تعني تجاوز كرامة الإنسان أو حقوقه.
وهي ليست بديلًا عن القانون، وليست أداة رقابة، بل إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية.
لا نزعم أن هذه الوثيقة ستمنع الأخطاء، فالصحافة عمل بشري، والخطأ وارد، لكن الفارق بين أداء ناضج وآخر مضطرب هو وجود مرجعية واضحة للمساءلة، وآلية للاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
المطلوب إعلام حر، لكن مسؤول، جريء، نعم، لكن أيضًا دقيق ومنصف ويحترم الإنسان.
أختم.. المعايير المهنية والأخلاقية لا يجب أن تقلّم أجنحة الصحفيين، ولا أن تروّض الصحافة، ومدونة السلوك توخت ألا ترتكب انتهاك التقييد بهدف منع انتهاك آخر، وهي ليست نهاية مسار، بل بدايته.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




