معرض دمشق الدولي للكتاب.. الأنا الأعلى في المجال الثقافي السوري
أحمد عسيلي
انطلق في دمشق معرض الكتاب العربي، بين 5 و16 من شباط الحالي، في أول تظاهرة ثقافية كبرى تقام في البلاد منذ سقوط نظام الأسد، فُتحت أبواب المعرض أمام دور النشر والكتب على اختلاف توجهاتها، وتمكّن كتّاب سوريون من الداخل والخارج من المشاركة وعرض أعمالهم والتواصل مع جمهورهم، بدا الحدث، في ظاهره، مناسبة ثقافية جامعة، تستعيد تقليدًا طويلًا انقطع لسنوات.
إلا أن المعرض لم يمرّ من دون انقسام، فقد أعلن بعض الكتّاب مقاطعتهم له باعتباره يُنظَّم برعاية سلطة لا يعترفون بشرعيتها، وتجاوز الأمر حدود المقاطعة الفردية لدى بعضهم إلى التلميح أو التصريح بأن المشاركة فيه تمثل موقفًا غير أخلاقي، بل وصل الخطاب أحيانًا إلى حد اتهام المشاركين بالتواطؤ أو الخيانة، وفي المقابل، فضّل بعض الكتّاب عدم المشاركة، ليس بالضرورة تعبيرًا عن موقف سياسي حاسم، بل لتجنب حملات الاتهام التي قد تطولهم في مناخ مشحون.
من المفهوم في الحياة الثقافية أن يرفض كاتب جائزة تمنحها سلطة يختلف معها سياسيًا أو أخلاقيًا، كما فعل الروائي المصري صنع الله إبراهيم حين رفض تسلّم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي، اعتراضًا على بعض سلوكيات الحكومة المصرية وقتها، ومن المفهوم أيضًا أن يُقاطع كاتب فعالية محددة بسبب إجراء قامت به الجهة المنظمة، كما حدث حين أعلن الروائي الجزائري سعيد خطيبي امتناعه عن المشاركة في معرض فرانكفورت للكتاب احتجاجًا على قرارات مرتبطة بإلغاء دعوات لبعض الكتّاب الفلسطينيين بعد أحداث غزة. في مثل هذه الحالات، يكون الاعتراض موجّهًا إلى فعل محدد، ويأخذ شكل موقف احتجاجي واضح.
غير أن الشائع في العلاقة بين الكاتب والسلطة في منطقتنا، هو أن يسعى الكاتب إلى لقاء جمهوره في بلده، وأن تكون الشكوى عادة من التضييق والمنع وإغلاق المنابر، أما في الحالة السورية الراهنة، فتبدو الصورة معكوسة: المجال متاح، والكتب معروضة، وإمكانية الحضور قائمة، ومع ذلك يُقرأ الحضور أحيانًا بوصفه شبهة، لا يُطلب من الكاتب أن يعلن تأييده للسلطة أو أن يبدّل أفكاره، ومع ذلك يتحول قرار المشاركة إلى مادة مساءلة أخلاقية.
هنا نغادر حدود النقاش السياسي لنلامس ظاهرة أعمق: المزاودة الأخلاقية، حين يتحول خيار شخصي إلى مساءلة، وحين يصبح كل اختلاف قابلًا للترجمة إلى “نقاء” أو “انحراف”، تدخل الأخلاق منطقة خطرة، فاتهام الآخر لا يكتفي بإسقاطه، بل يرفع المتهم نفسه إلى موقع الطهرانية، فكل إدانة تحمل في طياتها إعلانًا ضمنيًا: نحن أنقياء، وهكذا تتحول الأخلاق من قيمة تنظّم الحياة المشتركة إلى هوية صلبة تُستخدم للفصل بين الطاهر والمدان.
في التحليل النفسي، يشرح جاك لاكان كيف يمكن للأنا الأعلى أن يتحول إلى سلطة قاسية لا تكتفي بوضع حدود، بل تستمتع بالإدانة (نعم تستمتع بالإدانة)، الأخلاق حين تتضخم لا تمنح الطمأنينة، بل تنتج قلقًا دائمًا، لأنها تواصل طرح السؤال نفسه: هل أنت نقي بما يكفي؟ وهنا يمكن القول إن الأخطر من غياب الأخلاق هو تضخمها إلى حد تتحول فيه إلى محكمة دائمة، لأن الأنا الأعلى حين يستمتع بالإدانة، لا يعود يبحث عن العدالة بل عن مزيد من المتهمين، وهذه واحدة من كوارثنا السورية في الجو العام حاليًا.
هذه الآلية ليست جديدة في التاريخ، ففي الثورة الفرنسية، تحولت مرحلة من مسارها إلى مناخ اتهام متبادل انتهى بإعدام أحد أبرز رموزها، أي روبسبير نفسه، ومن هنا جاء التعبير الشهير بأن الثورة “تأكل أبناءها”. لم يكن الخطر في الاختلاف، بل في تضخم منطق التطهير، بحيث لا يبقى أحد بمنأى عن الشبهة، ما يحدث اليوم ليس تكرارًا حرفيًا لذلك التاريخ، لكنه يذكّر بآلية مشابهة على المستوى النفسي: اتساع دائرة الاتهام حتى تشمل الجميع، بمن فيهم من كانوا يومًا في صف واحد.
لقد عرفت سوريا شيئًا من هذا المنطق خلال سنوات الثورة، حين اتُّهم من بقي في الداخل بالصمت أو بالتكيف مع شروط البقاء، وتعرّض بعضهم للتشكيك في وطنيته، متناسين القبضة الأمنية الشديدة للنظام السابق، وأن الهجرة أو اللجوء لم تكن خيارًا مناسبًا للجميع، كما وُجهت أحيانًا اتهامات معاكسة إلى من غادروا البلاد، بالنهاية لكل إنسان حقه في اختيار طريقة عيشه، وفي الانصياع لشروط البقاء التي يراها ممكنة، لكن حين يتحول هذا الاختيار إلى مادة امتحان أخلاقي، يصبح المجال العام ساحة قلق دائم.
في مناخ الاتهام المتكرر، يشعر الجميع أنهم مطالبون بالتبرير، وأن أي موقف قد يُستخدم ضدهم، ومع ارتفاع القلق، يزداد التشدد، وتتصلب المواقف، ويتراجع الاستعداد لسماع التعقيد والرمادي، هكذا ندخل حلقة مفرغة: الاتهام يولد قلقًا، والقلق يدفع إلى مزيد من المزاودة، والمزاودة تعمّق الانقسام.
المجتمع لا يحتاج إلى إلغاء الأخلاق، بل إلى إعادة وضعها في مكانها الطبيعي كمرجعية مشتركة لا كسلاح، فالمجال العام لا يتحول إلى جحيم حين يختلف أفراده، بل حين يصبح الاختلاف جريمة، والخروج من هذا المناخ لا يكون بتوسيع دائرة الاتهام، بل بتضييقها أولًا، وبالاعتراف ثانيًا بأننا لا نحمل صكوكًا بالنقاء نوزعها كيفما نشاء، وأن للآخر أيضًا الحق في رؤية مختلفة، دون أن تُمس وطنيته أو أخلاقه بالتشكيك.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





