
الفنان جمال سليمان في مشهد من مسلسل "الخروج إلى البئر" (تلفزيون العربي/ يوتيوب)

الفنان جمال سليمان في مشهد من مسلسل "الخروج إلى البئر" (تلفزيون العربي/ يوتيوب)
في خضم موسم الدراما الرمضانية لعام 2026، يطلّ مسلسل “الخروج إلى البئر” كأحد أكثر الأعمال التي تحظى بالمتابعة والترقب في الدراما السورية والعربية، ليس فقط بسبب وقائعه المشوقة، بل أيضًا لأنه يغوص في حدث تاريخي “مؤلم” ظلّ مسكوتًا عنه لسنوات طويلة، وهو “استعصاء سجن صيدنايا” سنة 2008، خلال مرحلة حكم النظام السابق.
العمل يستند في بنائه السردي إلى شهادات واقعية لمعتقلين سابقين ووثائق مهمة، مستعيدًا لحظات وأحداث حقيقية تعرض لها سجناء داخل سجن صيدنايا بالاستعصاء الشهير عام 2008، وهو حدث حقيقي وقع داخل أحد أكثر السجون العسكرية السورية إثارة للجدل.
ويهدف المسلسل لمقاربة واقع علاقة التيارات الإسلامية مع النظام الأمني السابق ومنعكساتها الاجتماعية الخطيرة .
بطل العمل الفنان السوري جمال سليمان يجسد شخصية “سلطان الغالب”، وهو أحد المعتقلين الإسلاميين في السجن، يظهر بالحلقات الأولى للعمل بشخصية مركّبة، تعاني ألم الاعتقال، وتتولى التفاوض مع الأجهزة الأمنية، والتي يشغل مبعوثها “اللواء ناصيف بدران”، الذي يؤديه الفنان عبد الحكيم قطيفان، في محاولة لاحتواء الأزمة.
ويعرض “سلطان الغالب”، مطالب السجناء، التي تشمل وقف الضرب والإهانات، توفير أسرّة، السماح بصلاة الجماعة، تسريع المحاكمات، فتح باب الزيارات، ويقابلها وعود بالتنفيذ من قبل اللواء.
أحداث المسلسل أعادت للجمهور أحداث الاستعصاء الشهير الذي شهده سجن “صيدنايا” عام 2008، والتي أثارت الجدل عربيًا وعالميًا إعلاميًا وحقوقيًا وسياسيًا، فما هو الاستعصاء؟
في تموز 2008، كان الهدوء الحذر يخيّم على سجن صيدنايا، السجن العسكري الواقع شمال دمشق، والذي كان يُعرف منذ سنوات حينها بأنه أحد أكثر السجون تشددًا في سوريا، وكان يضم مئات السجناء، كثير منهم معتقلون سياسيون، وبينهم عدد كبير من الإسلاميين الذين أوقفوا في حملات أمنية سابقة.
وبدأت الشرارة عندما دخل عناصر من الشرطة العسكرية إلى أحد الأجنحة لإجراء تفتيش، وخلال التفتيش، وقعت حادثة اعتبرها السجناء إهانة دينية، إذ قيل إن أحد العناصر أساء للذات الإلهية، وبعدها أثارت الحادثة غضبًا واسعًا بين السجناء، وسرعان ما تحولت المشادة الكلامية إلى توتر جماعي.
في الساعات التالية، تصاعد الوضع بسرعة، واحتج السجناء داخل المهجع، وأغلقوا الأبواب، ورفضوا الخروج إلى الساحة.
حاولت إدارة السجن احتواء الموقف، لكن المواجهة خرجت عن السيطرة، بحسب روايات معتقلين سابقين وأهالي سجناء نقلتها منظمات حقوق الإنسان.
واستخدمت قوات الأمن الرصاص الحي لتفريق السجناء الذين صعد بعضهم إلى أسطح الأبنية الداخلية، إذ دوّت أصوات إطلاق النار داخل السجن، وسقط قتلى وجرحى من بين السجناء، مع أن العدد الدقيق بقي محل خلاف بسبب غياب تحقيق مستقل وشفاف.
خلال الساعات الأولى، تمكّن بعض السجناء من إجراء اتصالات هاتفية نادرة مع عائلاتهم، تحدّثوا عن إطلاق نار وسقوط قتلى، وناشدوا التدخل السريع، تلك الاتصالات كانت قصيرة ومتوترة، وسرعان ما انقطعت بالكامل بعد أن استعادت القوات السيطرة على أجزاء واسعة من السجن.
استمر التوتر عدة أيام، انتشرت قوات إضافية حول السجن، وفرض طوق أمني مشدد في المنطقة.
وأصدرت السلطات بيانًا مقتضبًا تحدثت فيه عن “أعمال شغب” داخل السجن، دون تفاصيل عن عدد الضحايا أو أسباب ما جرى.
في المقابل، قدّرت تقارير حقوقية أن عدد القتلى تراوح بين نحو 17 و25 سجينًا، إضافة إلى إصابات وربما قتلى في صفوف عناصر الأمن، لكن لم يُعلن رسميًا عن حصيلة مؤكدة.
الأكثر إثارة للقلق، وفق تقارير منظمة “العفو الدولية”، أن عائلات عشرات السجناء لم تتلقَّ أي معلومات عن مصير أبنائها بعد الحادثة، وبعضهم اختفى تمامًا، ولم يُعرف إن كانوا قد قُتلوا خلال الأحداث أو نُقلوا إلى سجون أخرى.
هذا الغموض زاد من مأساة الحادثة، إذ لم تُفتح تحقيقات علنية مستقلة، ولم تُنشر قوائم رسمية بأسماء الضحايا.
تحوّل استعصاء صيدنايا عام 2008 إلى حدث مفصلي في الذاكرة الحقوقية السورية، فهو وقع قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011 بثلاث سنوات، وكشف عن طبيعة التوتر المزمن داخل السجون السورية، وعن هشاشة العلاقة بين إدارة السجون والمعتقلين السياسيين. كما أصبح رمزًا لمعاناة المعتقلين وعائلاتهم في ظل غياب الشفافية والمساءلة.
مسلسل “الخروج إلى البئر” لا يكتفي بسرد الحدث بحد ذاته، بل يوسعه ليربط بين التحولات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت تلك الفترة الحرجة، وكيف أسهمت في صنع سرديات إنسانية عميقة، ليس فقط داخل جدران المعتقل، بل أيضًا في حياة العائلات والبيئة الخارجية التي تركت أثر تلك الأحداث في الذاكرة الجماعية.
العمل يُوصف بأنه ليس مجرد تمثيل لحظة تاريخية، بل محاولة استعادة ذاكرة مؤلمة والتحقيق في أسئلة ظلّت معلّقة منذ سنوات، ما يجعله أقرب إلى تجربة سينمائية وثائقية مشوّقة، توازن بين السرد الفني وبتناقل التاريخ المنسي.
يشارك في بطولة مسلسل “الخروج إلى البئر” كل من جمال سليمان، وكارمن لبس، وعبد الحكيم قطيفان، ومازن الناطور، ونضال نجم، وطلال مارديني، ونانسي خوري، وروعة ياسين، وشادي الصفدي، وجفرا يونس، وهو من إخراج محمد لطفي، وتأليف سامر رضوان.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى