سوريا.. الذاكرة المثقوبة!
غزوان قرنفل
كثيرًا ما نسمع العبارة الجاهزة التي تقول إن السوريين شعب جبار وقادر على تجاوز المحن، ويبدأ من تحت الركام كما لو أن شيئًا لم يكن، وربما يكون ذلك صحيحًا إلى حد ما في بعض جوانبه، لكن هذه العبارة تقال بإعجاب وتباهٍ باعتبارها شهادة قوة وصلابة، لكن ماذا لو أن هذه القدرة لم تكن فضيلة خالصة؟ وماذا لو كانت في أحد وجوهها تعبّر عن خلل عميق، وأن ما نسميه “قوة” ليس سوى قابلية مقلقة للنسيان؟
ليست المشكلة في أن الناس يريدون الحياة، فالرغبة في النجاة غريزة مشروعة، لكن الفارق كبير بين أن تتجاوز الألم بعد الاعتراف به، وبين أن تدفنه حيًا في الذاكرة، الفارق كبير بين أن تبني مستقبلًا بعد مراجعة الماضي ونقده ومحاسبته، وبين أن تقفز فوقه كأنه لم يكن وتعاود العيش بنفس الشروط والأفكار دون أي مراجعة، رغم أنك كنت قد أعلنت ثورتك عليها كما يفترض!
المصيبة الكبرى عندما يتحول النسيان إلى آلية ونمط سلوك جماعي، يصبح المجتمع شعبًا بلا ذاكرة، فهل يعقل أن يتحول معظم أولئك “الثوريون” بطرفة عين إلى مجرد أتباع لسلطة لا تختلف في آليات عملها وإدارتها للدولة عما ثاروا عليه، بل وفي بعض المناحي أسوأ منه؟ وهل من المنطقي ذلك الخرس غير المفهوم من معظم منظمات “المجتمع المدني” عن كل ما يرونه من انتهاك وتجاوز على القانون والأحكام الدستورية التي ألزمت السلطة نفسها بها؟ أين المواقف الحقوقية من تلك التجاوزات، وأين المواقف من تلك التعيينات الزبائنية والتعاقدات التي تخالف كل قانون، وأين الذاكرة الحقوقية من مجمل الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها معظم قادة السلطة الحالية قبل وصولها إلى السلطة وبعده؟
على امتداد السنوات الماضية، عرفت سوريا مجازر موثقة، وقتلًا جماعيًا، واعتقالًا تعسفيًا وإخفاء قسريًا واسع النطاق لم تكن القيادات الحالية بريئة من بعضه، ومع ذلك، ما إن تبدلت موازين القوى حتى ارتفعت أصوات تدعو إلى “طي الصفحة” و”التركيز على المستقبل”، وكأن الماضي عبء أخلاقي يجب التخلص منه، لا شرط لازم لفهم ما جرى وكيف يجب معالجة هذا الإرث من الألم.
المصالحة والصفح المجانيان ليسا أخطر ما في الأمر فحسب، بل إعادة إدماج القتلة والمجرمين ممن ارتكبوا الفظاعات ودون أي مساءلة ضمن بنية الدولة، فنحن هنا لا نطوي الصفحة، بل نمزقها، والمجتمعات التي تمزق صفحاتها لا تستطيع كتابة تاريخ جديد، بل تعيد اجترار النسخ القديمة منه.
تاريخ الاستبداد في سوريا لم يكن حدثًا عابرًا بل بنية متكاملة من الأجهزة الأمنية والقوانين الاستثنائية وثقافة الخوف وشبكات المصالح والزبائنية، والأخطر أفكار وبنية ثقافية مغبرّة لا تزال أسيرة ماضٍ يتوهم عشّاقه أنه “مجيد”. كل هذه البنى لا تسقط تلقائيًا مع أي تحول سياسي أو عسكري، لأنها ليست مجرد أشخاص في مواقع السلطة، بل منظومة تفكير وسلوك وعلاقات، وإذا لم يجرِ المجتمع قطيعة واضحة معها فإنه سيعيد إنتاجها بقوالب ووجوه مختلفة.
وحين نقول إن ذاكرة السوريين مثقوبة، فنحن لا نجلد الضحايا، بل نحاول فهم آلية دفاع جماعية تشكلت عبر عقود في ظل قمع مديد تعلّم الناس خلالها أن النجاة تتطلب الصمت، وأن الصمت يتطلب النسيان، أو على الأقل التظاهر به، حتى صار النسيان كأنه مهارة مجتمعية دون إدراك أن المهارات التي تنقذ الأفراد في زمن الخوف قد تتحول إلى عائق قاتل في زمن التحولات الكبرى.
إن الاستعداد لبدء حياة جديدة دون تصفية فاتورة الماضي يثير سؤالًا أخلاقيًا حول معنى العدالة وجدواها إن لم تكن وسيلة للإنصاف وتكريس الكرامة الإنسانية المحمية بالقانون كقيمة عليا في المجتمع، فالقوة الحقيقية ليست في إعادة التكيف مع الاستبداد، بل في رفض شروطه وتفكيك كل أدواته بدءًا من ثقافة تمجيد “الزعيم” والتطبيل له، مرورًا بتراث فقهي ومفاهيم مجتمعية لا تقيم وزنًا لكرامة وحرية الإنسان بل وتشجع على انتهاكهما، وليس انتهاء بكل القوانين والأفكار والأدوات والمؤسسات التي صنعت الاستبداد أو لم تقاومه، ومن دون هذه القطيعة سيظل الاستبداد حاضرًا كإمكانية كامنة جاهزة للعودة عند أول أزمة، والمجتمع الذي لا يتعلم من تجاربه وآلامه محكوم عليه بتكرارها كما هو واقع الحال الآن.
نحن لا نحتاج إلى سردية “الشعب الجبار” بل إلى سردية المجتمع الذي يعرف أن النسيان ليس فضيلة، وأن المصالحة بلا حقيقة ولا مساءلة ليست سلامًا بل عنف مؤجل، وأن الاستقرار بلا عدالة ليس سوى هدنة مؤقتة، وأن تديين الفضاء العام ترغيبًا أو ترهيبًا لا يصنع مجتمعًا فاضلًا بل منافقًا.
قد يبدو النسيان طريقًا أسرع إلى الطمأنينة، لكنه طريق دائري يوصلنا دائمًا إلى نفس نقطة الانطلاق، أما الذاكرة رغم ألمها فهي الطريق الوحيد إلى مستقبل مختلف حقًا، ليس لأن التذكر يغيّر الماضي، بل لأنه يمنع الماضي من ابتلاع المستقبل، فالفرق بين الشعب الذي ينسى وذاك الذي يتذكر هو تمامًا الفرق بين مجتمع يكرر مأساته وآخر يتعلم منها، لذلك فإن نقطة البدء تكمن في رتق الذاكرة وليس دفن مخزونها، وفي نقد التجربة ومراجعة الأفكار وليس مواراتها تحت السجادة ثم الزعم أن البيت نظيف!
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





