تعا تفرج

شعوب تحتفي بالجهل والتخلف

tag icon ع ع ع

خطيب بدلة

أنْ لا يبالي شعب من الشعوب، بحجم الأخطار التي تتهدد حاضره ومستقبله، فهذا أمر سيئ، وأنْ يرفض ذلك الشعبُ الاستماعَ لمن ينبهه إلى الأخطار، فهذا موقف أسوأ من سابقه، وأما أن يتكتل لمواجهة الشخص الذي يقرع ناقوس الأخطار، ويحاربه، فهذه هي الطامة الكبرى، بلا شك.

منذ فجر التاريخ، والبلاد المستقرة، أو الراكدة، ترفض التغيير، وترتاب من أصحاب الأفكار التي تدعو إليه، وكثيرًا ما تتعاضد الحكومات، مع الشعوب، مع المؤسسة الدينية، لمواجهة الاكتشافات العلمية، وتكفير أصحابها، وشيطنتهم.. فقد كان مستقرًا في الأذهان، لمئات السنين، أن الأرض مسطحة، وأنها مركز الكون، وفجأة ظهر العالم الإيطالي غاليليه، ليصدمهم بقوله إنها كروية، وتدور، وإن الشمس هي المركز. وسرعان ما وقفت الجماهير، في صف الحكام، والكنيسة، لتجابهه بذلك السؤال المنطقي، الصوري، الذي يبدو محرجًا، وهو: أيعقل أن نكون كلنا مخطئين، وأنت وحدك، أيها العالم، المصيب؟

وتمضي أيام، وشهور، وسنون، ليتضح أن رأي العالم، وحده، المصيب، وما قيمة آراء ملايين الناس، أصلًا، إذا لم يكونوا علماء؟ وتمر سنون أخرى، وينضم إلى غاليليه، علماء آخرون، ويصل الناس، بالعلم، إلى الفضاء، ويلتقطون للكون صورًا، تؤكد أن الشمس التي نظنها وحيدة، ليست وحيدة، فثمة الملايين من الشموس، والمجرات، والنجوم، والأقمار، وتبدأ البشرية، بعد قرون من العتمة، والجهل، والخرافة، بالتمايز، بين شعوب تؤمن بالعلم، وتشجع العلماء، وتعتذر للعلماء الذين أساءت إليهم، في غابر السنين، وتنقل ما توصل إليه العلم إلى الصناعة، والإنتاج، وتحقق قفزات عالية في التطور، والرفاه.. وشعوب أخرى تتمسك بالجهل، وبالخرافة، وبالأساطير، وتبقى على عدائها لكل مَن يحاول إصلاحها، أو انتشالها من غياهب الظلمات.

يُطبع كتاب جديد، في البلدان التي تجاوزت عصور الظلمات، فيقرؤه الناس، وإن وجدوا فيه شيئًا مفيدًا، أعطوه اهتمامهم، وحاولوا الاستفادة منه، وإذا وجدوه فارغًا، تافهًا، أهملوه.. وأما في بلادنا، فما زلنا نتمسك بالثبات، والركود، وعوامل التخلف، ومع أن المنطق السليم، يقتضي أن نرد على الفعل بفعل من جنسه، أي أن نرد على أفكار طُرحت في كتاب، بكتاب مماثل، أو بمقالة نقدية، فقد ذهبنا في الخصومة، مع الجديد المبتكر، إلى حد مجابهة الكلمة الحرة، التي تنشد العلم والتطور، بالشتم، أو بالتشهير الشخصي بقائلها، وبسباب واحدة من النساء اللواتي يلذن به، ونقرر أن نمنع مؤلفاته، ونحذر الناس من قراءتها، وقد يصل بنا رفض الجديد، إلى حد أن نسجن الكاتب المفكر، أو ننفيه خارج البلاد، أو نطلب من الجهة التي تشغله أن تقيله، لينقطع رزقه، ويُحاصر، ويصبح أمامه طريقان، لا ثالث لهما.. أولهما، أن يتحمل الفقر، والتشرد، والعوز، ويبقى على أفكاره التي يثق بصحتها، وثانيهما، أن يمثل علينا دور التائب، المرتجع، المعترف بأنه كان مخطئًا، ثم يعتذر عن الأفكار الجميلة، المفيدة، التي كان يريد أن ينفعنا بها!

إننا، هنا، نصل إلى الحالة التي عبّر عنها الكاتب السعودي إبراهيم البليهي، بقوله: نحن لسنا متخلفين وحسب، نحن نحاول أن نشد العالم، لنرغمه على أن يكون متخلفًا، مثلنا.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة